فهرس الكتاب
والحديث الثاني: قالت فاطمة: يا رسول الله! زوجتني عائلًا لا مالَ له، قال: (أما ترضين أن الله اطلع إلى أهل الأرض فاختار منهم رجلين، فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك) اهـ. وعزاه للحاكم (3/129) وصححه على شرط الشيخين فأفحش، وقد رواه الحاكم فقال: حدثنا أبو بكر بن أبى دارم الحافظ، ثنا أبو بكر محمّد بن أحمد بن سفيان الترمذي، ثنا سريج بن يونس. الإسناد الذي ساقه هذا الموسوي في الهامش (30/112) . وقال الذهبي: موضوع على سريج. قلت: وأبو بكر بن أبي دارم هذا- شيخ الحاكم- منهم هو وشيخه محمّد بن أحمد بن سفيان الترمذي، أما الترمذي هذا فقد اتهمه باختلاق هذا الحديث صراحة الذهبي (الميزان) (3/457) وقال: (لعله الباهلي) قلت: يعني محمّد بن أحمد بن سهيل الباهلي، قال أبو زرعة: (هو ممن يضع الحديث) ، وعلى كل إن لم يكن هو الباهلي فهو آخر متهم بوضع الحديث أيضًا. وأما شيخ الحاكم أبو بكر بن أبي دارم فقد قال عنه الذهبي في (الميزان) : (الكوفي الرافضي الكذاب) ، ونقل عن الحاكم نفسه أنه قال عنه: (رافضي غير ثقة) اهـ. وهو ما يبين وهم الحاكم بتصحيحه، فإنّه نفسه قد ضعف شيخه ثم غفل عنه وصحح الحديث، الأمر الذي يجعلنا لا نعتمد على تصحيحه إطلاقًا. وقد ذكر ابن أبي دارم هذا أيضًا الذهبي في (تاريخ الإسلام) (8/68) ، وفي (تذكرة الحفاظ) (3/884) ، واتهمه بالوضع، وأيضًا اتهمه ابن العماد في (شذرات الذهب) (3/11) .
هذه حال الطريق الأولى لهذا الحديث، والطريق الثانية ذكرها هذا الموسوي أيضًا في الهامش مقطوعة نقلًا من (الميزان) رواية أبي الصلت الهروي -وهو عبد السّلام بن صالح- عن عبدالرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس. أخرجه الطبراني في الكبير (45111) ، والخطيب في (تاريخ بغداد) (4/196) . وآفته عبد السّلام بن صالح هذا كما قال الذهبي، فإنّه ضعيف جدًا، وقد كذبه ابن عدي والدارقطني والعقيلي، وقال العقيلي في رواية: رافضي خبيث. وقال النسائي: ليس بثقة. وكذبه أيضًا محمّد بن طاهر. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد اهـ.
وله طريق أخرى عن عبد الرزاق رواه عنه إبراهيم بن الحجاج- وهو غير الشامي والنيلي- أخرجه الخطيب البغدادي (4/195) ، وعزاه في (تنزيه الشريعة) (1/396) لأبي الشيخ، وعزاه الهيثمي في (المجمع) (9/112) للطبراني في الكبير، وذكره الذهبي في (الميزان) (1/26) . وضعفوه، وهو خليق به إذ ان ابراهيم هذا نكرة لا يعرف كما قال الذهبي، وقال أيضًا: والخبر الذي رواه باطل اهـ. قلت: يعني هذا.
وطريق رابعة عن عبد الرزاق رواه عنه أحمد بن عبد الله بن يزيد -في الأصل (زيد) وهو خطأ يتضح لمن راجع ترجمته في (تاريخ بغداد) و (الميزان) وغيرهما- الهيثمي، أخرجه الخطيب البغدادي (4/196) ، وهو مكذوب أيضًا على عبد الرزاق، فأحمد بن عبد الله الهيثمي هذا قال عنه ابن عدي: (كان بسامراء يضع الحديث) (1) وقال الدار قطني -فيما نقله الخطيب- (يترك حديثه) وعده ضمن المتروكين في رسالته بذلك (رقم 68) ، وقال الذهبي في (المغني) : كذاب.
فهذه طرق هذا الحديث فيها خمسة من الكذابين أو المتهمين بذلك. فلم يروه عن عبد الرزاق غير كذاب أو مجهول نكرة أو ضعيف جدًا، فكيف يمكن تصحيح هذا الحديث حتى بتعدد الطرق؟؟ وقد حكم عليه بالوضع والكذب أو الضعف والمردود كل من الذهبي والهيثمي- على تساهل- وابن الجوزي في (العلل المتناهية) (1/220-221) ، وابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة) (1/396) وغيرهم.
تنبيه: أخرج الطبراني في الكبير (11153) وقال: (حدثنا محمّد بن جابان الجنديسابوري والحسن بن علي المعمري، قالا: ثنا عبد الرزاق.. الحديث) بهذا اللفظ نفسه. وفي إسناده سقط ينبغي لنا التنبيه عليه، حتى لا يغتر بهذا الاسناد احد ويزعم صحة الحديث إستنادًا إليه، فنقول: قبل ذكر ذلك السقط أود الإشارة إلى أن شيخ الطبراني الأول (محمّد بن جابان الجنديسابوري) لم أجد له ترجمة أبدًا، ثم رجعت إلى (المعجم الصغير) للطبراني الذي روى فيه لكل شيخ من شيوخه حديثًا واحدًا، فوجدته هناك في حديث برقم (881) ، لكنّه قال: (محمّد بن حابان الجنديسابوري) بالحاء المهملة لا بالجيم المعجمة. ولم يتبين لي أيهما الصواب، فالآخر هذا لم أجد له ترجمة أيضًا. لكن جهالته هذه لا تضر لمتابعة شيخ الطبراني الآخر وهو الحسن بن علي المعمري، وهو فيه كلام لا يسقط الاحتجاج به، قال الدارقطني: (صدوق حافظ) ، وقال الخطيب البغدادي: (كان من أوعية العلم يذكر بالفهم ويوصف بالحفظ) ، وله ترجمة في (تاريخ بغداد) (7/369-372) ، (تذكرة الحفاظ) (2/667-778) ، (شذرات الذهب) (2/218) ، (ميزان الاعتدال) (1894) ، وقال الذهبي في (المغني) (1435) : (تفرد برفع أحاديث تحتمل له) اهـ.
(1) نقله عنه الذهبي في (الميزان) (1/109) ، والخطيب في (تاريخ بغداد) (4/219-220) .