الصفحة 121 من 366

ومن أدلة عدم غلو أبي إسحاق السبيعي هذا، وأنه يقدم الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما على غيرهما، أنه هو نفسه أحد رواة حديث النبي صَلّى الله عليه وسلّم: (لوكنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا) عند الترمذي (4/308) ، وقد رواه هناك أيضًا عبد الرزاق الصنعاني الذي عنده تشيع أيضًا، مما يدل على حقيقة مذهب الشيعة الأوائل، وأنهم مع تشيعهم لا يعدلون بأبي بكر وعمر أحدًا بعد النبي صَلّى الله عليه وسلّم.

وكذلك روى أبو إسحاق السبيعي هذا عند ابن ماجه (456) عن ابن حية -أحد أصحاب علي- قال: (رأيت عليًا توضأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثم قال: أردت أن أريكم طهور نبيكم صَلّى الله عليه وسلّم) اهـ. وهو يخالف مذهب الشيعة المعروف في ذلك، مع إضافته للنبي صَلّى الله عليه وسلّم أولًا، ولعليّ رضي الله عنه نفسه ثانيًا، ولأبي إسحاق السبيعي هذا ثالثًا، ولله الحمد والمنة.

(72) عوف بن أبي جميلة المعروف بالأعرابي: ثقة، رمي بالتشيع، وهو إلى ذلك لم يكن عنده غلو ولا طعن بالصحابة رضوان الله عليهم، فحاله وحال أمثاله قد قدمناه مرارًا لا نرى داعيًا لإعادته.

(73) الفضل بن دكين، أبو نعيم: ثقة ثبت لكنّه يتشيع، وبين الذهبي في (ميزانه) أن تشيعه من غير غلو ولا سب، الأمر الذي كتمه هذا الموسوي العاري من الأمانة في النقل تمامًا، قال الذهبي: (حافظ حجة، إلاّ أنه يتشيع من غير غلو ولا سب) اهـ. وقد فصلنا حال من عنده تشيع من غير غلو ولا سب، وبينا أن هذا ممن يقبل خبره. وروى الخطيب في (تاريخ بغداد) (12/351) ، ونقله الحافظ في ترجمة أبي نعيم من التهذيب، عن أبي نعيم هذا أنه قال: (ما كتبت عَلَيَّ الحفظة أني سببت معاوية) وأمر بنقل ذلك عنه، وهو ما بين اعتداله في تشيعه وأنه من نوع البدعة الصغرى، لا كما افترى هذا الموسوي، يضاف إلى ذلك أنه قد روى حديثين صحيحين عند البخاري (1/62) في إثبات المسح على الخفين، وهو يخالف ما عليه الشيعة الغلاة أيضًا.

(74) فضيل بن مرزوق: قال الحافظ في التقريب: صدوق يهم (ص:324) ورمي بالتشيع اهـ. وعبارة الذهبي التي نقلها هذا الموسوي فيها اقتطاع مهم، أقدم عليه الموسوي كعادته في اقتطاع ما يوافق هواه وترك الباقي. قال الذهبي في (الميزان) عن فضيل هذا: (وكان معروفًا بالتشيع من غير سب) اهـ. فحذف منها هذا الموسوي نفي السب الأمر الذي يدل على حقيقة مذهبه من محبته لسب الصحابة- لعن الله من سبهم- وإلا فما الذي حمله على هذا؟ أما بالنسبة لفضيل هذا فقد قدمنا حال أمثاله غير المغالين في تشيّعهم أصحاب البدعة الصغرى.

بقي مما جاء في الترجمة هنا أمر أضحكني والله من جهل هذا الموسوي وعمايته، وذلك يتعلق بحديث ساقه الذهبي في ترجمة فضيل من (الميزان) فيه إخبار النبي صَلّى الله عليه وسلّم عن تأمير أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم، وهو من رواية زيد بن الحباب عن فضيل هذا، ولا أدري ما الذي لم يُعجب هذا الموسوي في الحديث حتى كذبه مع أن فيه فضلًا لعلي رضي الله عنه، لكنّه سارع إلى تكذيبه واتهم زيد بن الحباب وأنه اختلقه على فضيل، فقال: (وكذب عليه زيد بن الحباب فيما رواه عنه من حديث التأمير) اهـ.

والحال إلى هنا ليس فيه ما يدعو إلى الضحك والسخرية بهذا الموسوي، ولكن الأمر ليس كذلك إذا علمنا أن هذا الموسوي قد ذكر زيد بن الحباب هذا نفسه ضمن هؤلاء الرواة المئة الذين ساقهم (رقم 28) وعده هناك من رجالهم- رجال الشيعة- وطبيعي أن ذكره له يدل على ثقته وصدقه عند هذا الموسوي، وأنه كذلك أيضًا- فيما ادعى- عند أهل السنة، ثم عاد هنا وكذبه، أليس هذا مما يدعو إلى الضحك والسخرية بهذا الموسوي وحماقته؟! أليس هو أحق أن يوصف بما هو معروف عند العلماء بأنه (أضل من حمار أهله) ؟! نقول: نعم هو كذلك.

(75) فطر بن خليفة: صدوق رمي بالتشيع، كما قال الحافظ في التقريب. وتشيعه لم يكن فيه غلو ولا سب، كما صرح به أحمد العجلي بقوله: (كان فيه تشيع قليل) نقله الذهبي في (تاريخ الإسلام) في ترجمة فطر هذا، ونقله الحافظ في التهذيب وفي (هدي الساري) (ص:608) . وحقيقة تشيعه بينها الساجي- فيما نقله عن الحافظ في التهذيب- فقال: (وكان يقدم عليًا على عثمان) فهذا ما نقل عنه لا غير، أما الشيخان فلم يكن فطر هذا يعدل بهما أحدًا بعد رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، إذ لم يتعرض لهما أصلًا.

أما ما زعمه الموسوي بجهله من احتجاج البخاري بفطر هذا فليس صحيحًا، بل ما روى البخاري لفطر هذا إلا مقرونا بغيره، كما تبينه إشارة الذهبي له في (الميزان) ، وهو الذي صرح به الحافظ ابن حجر في التهذيب وفي (هدي الساري) (ص:608) ، وأيضًا ليس له ذكر في البخاري إلا في حديث واحد تابعه فيه الأعمش والحسن بن عمرو عن مجاهد (1) ، فلا يعد فطر هذا من رجال الصحيح المحتج بهم، كما يعرفه أهل العلم.

(1) هدي الساري) (ص:608) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت