فهرس الكتاب
(76) مالك بن إسماعيل: ثقة مُتقن، كما قال الحافظ وتشيعه لم يكن فيه غلو ولا سب، وهو قلما يعرف بتشيعه لخفته في ذلك، ومع تشيعه كان يقدم أبا بكر رضي الله عنه على من سواه من الصحابة، ويروي من فضائله ما يؤكد ذلك، مثل الحديث الذي رواه عند الترمذي (4/311) أن النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال لأبي بكر رضي الله عنه: (أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار) ، وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. وقال العلماء في شرحه: أي صاحبه في الدنيا والآخرة. وهذا قد رواه مالك بن إسماعيل نفسه، مما يؤكد تقديمه لأبي بكر رضي الله عنه على من سواه، وأيضًا روى مالك هذا حديثًا صحيحًا في فضائل الزبير بن العوام رضي الله عنه، وهو ممن تبغضه الشيعة وتكفره وصاحبهم مالك -كما يزعمون- يروي في فضائله، أخرج هذا الحديث البخاري في (صحيحه) (5/27) بإسناد مالك بن إسماعيل هذا أن النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال: (إن لكل نبيّ حواريًا وإن حواريّ الزبير بن العوام) والحواريّ: هو خاصة الرجل من أصحابه وناصره. والحواريّون هم أيضًا: صفوة الأنبياء، انظر (المعجم الوسيط) . وهذا كله مما يبين اعتقاد مالك بن إسماعيل هذا وبعده عن الرفض المذموم، بخلاف هذا الموسوي.
(77) محمّد بن خازم، أبو معاوية الضرير: ثقة ثبت، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، كما هو مقرر في ترجمته من التهذيب والتقريب و (الميزان) و (تذكرة الحفاظ) وغيرها، ولم يذكره أحد بغلو مردود إلى الرفض، بل قبول أهل السنة له وإخراجهم لحديثه يدل على اعتداله في ذلك، هذا إن صح ادعاء الحاكم في تشيعه وغلوه في التشيع دون الرفض.
(78) محمّد بن عبد الله النيسابوري أبو عبد الله الحاكم: إمام حافظ صدوق صاحب التصانيف، وقول هذا الموسوي: (وكلّ من تأخر عنه من محدّثي السنة عيالٌ عليه، وهو من أبطال الشيعة وسدنة الشريعة) مبالغة واضحة يريد بها حيازة سبق، ومع ذلك فلو كان الشيعة كلهم مثل الحاكم هذا لقلّ شرّهم، فليس هو رافضيًا بل شيعيّ كما بينه الذهبي، وقد قدمنا التفريق بينهما مرارًا، ثم إنه لم يكن يتعرض للشيخين أبي بكر وعمر كما حققه الذهبي وغيره، وهو ما أخفاه عمدًا هذا الموسوي، وقد روى الحاكم في (المستدرك) أحاديث كثيرة في أفضلية أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، مع تقديم الشيخين أبي بكر وعمر على غيرهما، بل يُستبعد تفضيله لعليّ على عثمان رضي الله عنهما، إذ له معارض أقوى لا يقدر على دفعه، فإنّه عقد بابًا في كتاب الأربعين لتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، واختصهم من بين الصّحابة رضوان الله تعالى عليهم. وقدم في (المستدرك) ذكر عثمان رضي الله عنه، وروى في الفضائل (3/96-97) حديث عائشة رضي الله عنها قالت: أول حَجَرٍ حجَرٌ حمَله النبيّ صَلّى الله عليه وسلّم لبناء المسجد، ثم حمل أبو بكر حجرًا، ثم حمل عمر حجرًا، ثم حمل عثمان حجرًا، فقلت: يا رسول الله! ألا ترى إلى هؤلاء كيف يساعدونك؟ فقال: (يا عائشة! هؤلاء الخلفاء من بعدي) .
وخرج أيضًا في فضائل عثمان (3/97) حديث: (لينهض كل رجل منكم إلى كفئه، فنهض النبي صَلّى الله عليه وسلّم إلى عثمان) . وهذا كله رواه الحاكم صاحب الشيعة في (المستدرك) . وكل ما نُقم على الحاكم أنه أخرج في (المستدرك) أحاديث كثيرة ليست على شرط الصحة، بل فيه أحاديث موضوعة مستنكرة، وقال الذهبي في (الميزان) : (إمام صدوق لكنّه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة، ويكثر من ذلك، فما أدري هل خفيت عليه فما هو ممن يجهل ذلك) اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان) : (إنما وقع للحاكم تساهل لأنه سوّد الكتاب لينقحه، فعاجلته المنيّة ولم يتيسّر له تنقيحه) اهـ.
واعتذر عن ذلك أن الحاكم صنفه في أواخر عمره وقد اعترته غفلة، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب الضعفاء له، وقطع بترك الرواية عنهم، ومنع الاحتجاج بهم، لكنّه أخرج في (المستدرك) أحاديث بعضهم وصححها، وقد مر بنا من ذلك أمثلة أقربها شيخ الحاكم أبو بكر بن أبي دارم، وقد مر ذكره في ترجمة عبد الرزاق الصنعاني، فراجعه.
فهذه حال الحاكم وحال تشيّعه، فلم يكن عنده من ذلك سوى بعض الكلام في معاوية رضي الله عنه. وفي (شذرات الذهب) (3/177) عن الذهبي أنه قال: (هو معظّم للشيخين بيقين ولذي النورين وإنما تكلم عن معاوية) اهـ. وقد ذكر الحاكم نفسه فضائل طلحة والزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، مما يبعد غلوّ التشيّع عنه. ومن اتهمه بأنه رافضي فقد تحامل عليه وبالغ في اتهامه كما فعل ابن طاهر المقدسي، وقد ردّ تهمته هذه الذهبي، فجزاه الله خيرًا.