فهرس الكتاب
(94) هشام بن عمار بن نصير: لم يعده من الشيعة سوى ابن قتيبة، ولا أظنه يثبت، إذ لم يتابعه على هذا أحد من أهل العلم. لكن هشامًا هذا عنده مناكير بسبب كبره واختلاطه، فكان يلقن الحديث فيحدث به، كما هو مفصل في ترجمته من (الميزان) والتهذيب، قال الحافظ في التقريب: (صدوق مقرئ، كبر فصار يلقن، فحديثه القديم أصح) اهـ. وممن أثبت تغيره وحاله هذا أبو حاتم، وعبد الله بن محمّد بن سيار الفرهياني، وقال أبو داود: حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها، وأثبت له الذهبي منكرات. من أجل هذا لم يكثر البخاري من الأخذ عنه، بل انتقى منها ما صح وما ثبت أنه من غير تلقين، فلم يخرج له سوى حديثين اثنين بمتابعة قاصرة، وعلق له في (الأشربة) حديثًا واحدًا، كما بينه الحافظ في (هدي الساري) (ص:625-626) ، وأحاديثه الثلاثة هذه في (صحيح البخاري) في (كتاب البيوع) و (كتاب الأشربة) و (كتاب فضائل أصحاب النبي صَلّى الله عليه وسلّم) لا غيرها.
لكن القارعة على هذا الموسوي وأصحابه -والتي أخفاها عمدًا هذا الموسوي- أن البخاري قد روى لهشام هذا في واحد من تلك الأحاديث الثلاثة حديثًا في فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، في (كتاب فضائل أصحاب النبي صَلّى الله عليه وسلّم) ، وهو الذي أشار إليه الموسوي نفسه، وهو حديث يبين بُعد هشام هذا عن التشيّع، أو على الأقل يبين أنه مع تشيعه فإنّه يقدم أبا بكر رضي الله عنه، فإن كان هذا الموسوي يدعي أن هشامًا هذا ثقة عنده لأنه شيعي؛ فليحتج به إذًا وليقبله في هذا الحديث عند البخاري (5/6) ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه في حديث طويل، فيه أن النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال يدافع عن أبي بكر رضي الله عنه: (إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي. مرتين، فما أوذي بعدها) اهـ. فهذا فضل لأبي بكر رضي الله عنه لا يدانيه فضل أهل بيت ولا عترة ولا أبي تراب ولا غيره، رضي الله عنهم أجمعين.
وأما ما ذكره هذا الموسوي من موافقة هشام هذا لغيره من الشيعة في قوله: أن ألفاظ القرآن الكريم مخلوقة لله تعالى، فينبغي لنا أن نقف هنا عنده وقفة ولو قصيرة لبيان مجمل أمور:
الأمر الأول: إن هشامًا لم يكن يقول بخلق ألفاظ القرآن جملة، بل إنه قال: (لفظ جبريل ومحمّد عليهما السّلام بالقرآن مخلوق) كما نص عليه الذهبي فيما نقله في ترجمة هشام من (الميزان) ، ومنه نقله هذا الموسوي فدلس تدليسًا شنيعًا، إذ القول بأن ألفاظ القرآن مطلقًا مخلوقة هو كالقول بخلق القرآن صراحة، وهو الذي ذهبت إليه الشيعة الرافضة، أما قول هشام وهو أن لفظ المخلوقين بالقرآن مخلوق، فهو وإن كان منكرًا وشنيعًا وباطلًا ومردودًا، إلا أنه غير الأول، فهو أخف منه كما سنبينه إن شاء الله.
الأمر الثاني: إن قول هشام بن عمار هذا لو كان نفسه قول الشيعة الرافضة، والذي أخذوه من إخوانهم المعتزلة؛ لكان ذلك كافيًا في جرح هشام وإسقاط عدالته بالكلية، إذ أن أهل السنة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قال ابن أبي العزّ في (شرح العقيدة الطحاوية) (176) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (1) : (وأئمة الدين كلهم متفقون على ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة من أن الله كلم موسى تكليمًا، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق) . وقال أيضًا (2) : (لكن هؤلاء الطوائف كلهم متفقون على تضليل من يقول أن كلام الله مخلوق، والأمة متفقة على أنّ من قال: كلام الله مخلوق، ولم يكلّم الله موسى تكليمًا، يُستتاب فإن تاب وإلاّ يُقتل) .
وهاهو الحافظ أبو القاسم الطبري المعروف باللالكائي قد ذكر في كتابه (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) : من قال إن القرآن كلام الله غير مخلوق... ثم قال عقبه (ص:312) : (هؤلاء خمسمائة وخمسون نفسًا أو أكثر من التابعين والأئمة المرضيين سوى الصحابة، على اختلاف الأعصار ومضيّ السنين والأعوام، وفيهم نحو من مئة إمام، ممن أخذ الناس بقولهم، وتدينوا بمذاهبهم، ولو اشتغلت بنقل قول أهل الحديث لبلغت أسماؤهم ألوفًا، لكنّي اختصرت فنقلت عن هؤلاء عصرًا بعد عصر، لا ينكر عليهم منكر، ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه) اهـ. ثم رواه اللالكائي في كتابه ذلك (370، 371) من طريقين عن علي رضي الله عنه نفسه، بأن القرآن غير مخلوق، ورواه أيضًا البيهقي في (الأسماء والصفات) (ص:243) ، وهو حجة قاطعة على الشيعة ولله الحمد. وكذا رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما اللالكائي أيضًا (378، 379) ، وعبد الرزاق في (المصنف) (15946، 15947، 15950) ، والبيهقي في السنن (10/43) ، عن ابن مسعود رضي الله عنه. وعبد الرزاق هذا قد ذكره هذا الموسوي أيضًا ضمن هؤلاء الرواة المئة.
(1) مجموع الفتاوى) (12/504) .
(2) المجموع) (12/531) .