فهرس الكتاب
وقال شيخ الإسلام (1) : (بل اشتهر عن أئمة السلف تكفير من قال: القرآن مخلوق، وأنه يستتاب فإن تاب وإلاّ قتل) ثم نقله عن مالك بن أنس والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو -أعني تكفير من قال القرآن مخلوق- قول سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وإسماعيل بن إدريس، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وسليمان بن داود الهاشمي، وإسحاق بن راهويه، ووكيع بن الجراح، وغيرهم كثير (2) .
ونقل شيخ الإسلام في (كتاب الرد على الطوائف الملحدة) ضمن (الفتاوى الكبرى) (6/523) ، عن علي بن عاصم أنه قال لرجل: (أتدري ما يريدون بقولهم القرآن مخلوق؟ يريدون أن الله تعالى لا يتكلم، وما الذين قالوا إنّ لله ولدًا بأكفر من الذين قالوا إنّ الله لا يتكلم؛ لأن الذين قالوا: لله ولد، شبهوه بالأحياء، والذين قالوا: لا يتكلم، شبّهوه بالجمادات) اهـ.
فإذًا: مذهب الشيعة الرافضة أن القرآن مخلوق، وحكم أهل العلم عليهم كحكمهم على غيرهم ممن وافقهم في مقالتهم الباطلة هذه، أما هشام بن عمار فلم يقل ذلك، بل قال: (لفظ المخلوق بالقرآن مخلوق) ، وهو دون قول المعتزلة والرافضة، لكنّه باطل أيضًا، لذا لم يكفّره الإمام أحمد بن حنبل بل اكتفى بتجهيمه، أي أن عنده نوع من بدعة الجهمية، ولو كان قوله كقول المعتزلة والرافضة بأن القرآن مخلوق؛ لكفره أحمد بن حنبل وباقي علماء الأمة ممن نقلنا قولهم، ولأسقطوا عدالته وما احتجوا به. وليس هذا موضع بسط الكلام على مسألة خلق القرآن وبيان بطلان من قال به، بل نكتفي بما ذكرناه من أقول أئمة الدين في ذلك وحكمهم فيمن خالفهم فيها، ومن أراد التفصيل فدونه ما كتبه علماء أهل السنة والجماعة في ذلك، ففيها القول الفصل الشافي إن شاء الله تعالى.
الأمر الثالث: إن قول هشام بن عمار هذا يشبه تمامًا ظاهر كلام الإمام أبي حنيفة رحمه الله في (الفقه الأكبر) (ص:47-50) فإنّه قال: (والقرآن كلام الله في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي صَلّى الله عليه وسلّم منزل، ولفظنا بالقرآن مخلوق، وكتابتنا له مخلوقة، وقراءتنا له مخلوفة، والقرآن غير مخلوق... كلام الله غير مخلوق، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله لا كلامهم) اهـ. وقد نقله أيضًا ابن أبي العز في (شرح العقيدة الطحاوية) (176-177) . وهذا كله طبعًا يخالف قول المعتزلة وأفراخهم الشيعة الرافضة القائلين بخلق القرآن صراحةً، ولم يكن هشام بن عمار منهم إطلاقًا، بل قوله داخل ضمن أقوال أهل السنة، لا يكفر به بلا شك، بخلاف قول المعتزلة والشيعة الرافضة كما قلناه. والله الموفق للصواب.
(95) هشيم بن بشير: لم يعده أحد من رجال الشيعة غير ابن قتيبة، ولا أظنه يثبت لما قدمناه من حال ابن قتيبة، ثم إن الجوزجاني المعروف بتحامله الشديد على من عنده تشيع ولو قليل، مع ذلك أثنى على هشيم هذا وقال: هشيم ما شئت من رجل. وإن صح أن عنده تشيع فمن المؤكد أنه من غير غلو ولا تحامل، فليس عنده من المنكرات في ذلك شيء.
(96) وكيع بن الجراح: ثقة حافظ عابد، لا تصح نسبة الرفض إليه مطلقًا، بل كان عنده تشيع قليل فقط، كما نص عليه ابن المديني فيما نقله الذهبي في (الميزان) ، إذ صرح بقلة تشيعه، وهو الذي أخفاه هذا الموسوي، أما الرفض فلا، ولو ثبت لكان من قوادح وكيع هذا. ألا ترى أن ابن معين قد رد على مروان بن معاوية لمّا اتهم وكيعًا بالرفض، وهذا نقله هذا الموسوي نفسه، وهو أكبر دليل يقر به -من غير أن يعلم- ببعد وكيع عن الرفض. وهو في خفة تشيعه وقلته كالحسن بن صالح المشار إليه هذا، والذي تقدمت ترجمته في موضعها.
وبمناسبة ذكر مذهب الشيعة من قولهم بأن القرآن مخلوق قبل قليل، ذكر الحافظ الذهبي في ترجمة وكيع من (تذكرة الحفاظ) (1/306) عن وكيع أنه قال: (من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر) . فحال هذا الموسوي وأصحابه إما أن يتبرؤا من تشيع وكيع ويطعنون به، فلا يبقى لهم حجة به بعد ذلك على أهل السنة، وإما أن يتبرؤا من قولهم الضال الكفر هذا.
وقد نقل الحافظ في التهذيب عن ابن معين أنه قال: إن وكيعًا كان يفتي بقول أبي حنيفة الإمام رحمه الله ورضي عنه، ولو كان وكيع شيعيًا بحتًا أو مغاليًا لأفتى بقول أئمة العترة كما هو معروف.
(1) مجموع الفتاوى) (12/506) .
(2) انظر لأقوالهم ما رواه البخاري في رسالة (خلق أفعال العباد) ضمن كتاب (عقائد السلف) (ص:119-123) ، وما ساقه منها شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (12/505-517) ، وانظر كذلك ما سيأتي في ترجمة وكيع بن الجراح الذي ذكره هذا الموسوي نفسه.