فهرس الكتاب
وأما حديث أبي برزة فقد أخرجه الإمام أحمد (4/421) ، والبزار، وأبو يعلى (1) ، بالإسناد الذي ساقه الذهبي في (الميزان) بزيادة راو هو أبو هلال، بين أبي برزة وبين سليمان بن عمرو بن الأحوص، وهو من رواية يزيد بن أبي زياد هذا عن سليمان به، ولكن ليس فيه التصريح بذكر معاوية وعمرو بن العاص، بل قد أبهم فيه اسميهما وقال: (فلان وفلان) فلا حجة فيه عليهما أولًا، ولا يمكن القول بتقوية ذكرهما بحديث ابن عباس السابق، لما قدمنا أن في إسناده كذّابًا ثانيًا، وثالثًا: ضعف إسناده وعدم ثبوته بسبب ضعف يزيد بن أبي زياد هذا واختلاطه، مع ما عنده من قبول التلقين فيما بيناه سابقًا، وهو مما لقن بلا شك؛ لوجود رواية أخرى لهذا الحديث من طريق آخر عن شقران مولى رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، رواها ابن قانع في (معجمه) (2) ، وفيها تسمية الرجلين بأنهما معاوية بن رافع وعمرو بن رفاعة بن التابوت، قال ابن عراق الكناني معقبًا عليها: (وهذه الرواية أزالت الإشكال، وبينت أن الوهم وقع في الحديث الأول في قوله: ابن العاص، وإنما هو ابن رفاعة، وكان أحد المنافقين، وكذلك معاوية بن رافع كان أحد، المنافقين) اهـ. وقد عدّ هذا الحديث في (الموضوعات) غير واحد كابن الجوزي والسيوطي وغيرهما.
(100) أبو عبد الله الجدلي: قال الحافظ في التقريب: ثقة رُمي بالتشيّع اهـ. قلت: فهو لم يكن من المغالين في ذلك الواصلين إلى الرفض المردود، إذ لم ينقل عنه من ذلك ما ينكر، إضافة إلى أنه قد روى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وعن خير ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، مما يدل على عدم غلوّه في تشيّعه، وإلاّ لما روى عنهما بل لأبغضهما كما تفعل الشيعة اليوم (3) . ونقل الحافظ هناك قصة دفاعه عن محمّد بن علي بن أبي طالب- وهو محمّد ابن الحنفية- وبين أنها السبب في رمي عبد الله الجدلي هذا بالتشيع، إذ قال: (فمن هنا أخذوا على أبي عبد الله الجدلي هذا بالتّشيّع. لأنه كان في ذلك الجيش، ولا يقدح ذلك فيهما إن شاء الله تعالى) اهـ. ومما يؤكد عدم غلوّه في مذهب الشيعة، ما رأيت له مما رواه من الأحاديث ما أخرجه الترمذي (1/97) ، وأيضًا أبو داود (157) بالإسناد إلى عبد الله الجدلي هذا عن خزيمة بن ثابت، عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم أنه سئل عن المسح على الخفين فقال: (للمسافر ثلاثًا، وللمقيم يومًا) اهـ. وقد مرّ ذكره في ترجمة الحكم بن عتيبة. وهو يخالف تمامًا ما عليه مذهب الشيعة اليوم من نفيهم المسح على الخفين، مع أنه من رواية من يرضون من الرواة، في الوقت الذي يمسحون على أرجلهم؛ مخالفين بذلك نصّ القرآن الكريم وصريح السنة وصحيحها، وليس هذا موضع بسطه.
هذا ما أردت بيانه من حال هؤلاء الرواة المئة الذين ترجم لهم هذا الموسوي، وزعم أنهم من الرافضة، وأنهم محتج بهم عند أهل السنة، وفيما قدمنا من حال كل واحد منم ما يبين زيف كلامه وكذبه، إذ تبين أن حوالي نصفهم ليسوا من غلاة الشيعة الذين وصل بهم الغلوّ إلى الرفض المذموم المردود، بل لا يتعدّى حالهم حال أصحاب البدعة الصغرى الذين يقبل خبرهم فيما لا يدخل في بدعتهم وهي التشيّع، والتفصيل فيما قدمنا من الكلام عليهم، وبينا أنهم من الذين يقدمون الصحابة وبالأخص أبا بكر وعمر. والنصف الباقي من هؤلاء الرواة منهم من لم يثبت تشيّعه إطلاقًا، أو عندهم فيما نقلناه في تراجمهم ما يخالف مذهب الشيعة تمامًا، وأغلبهم من الكذابين، أو المتّهمين أو المتروكين أو الضعفاء الذين لا يحتجّ بحديثهم، وإن قيل أنهم من الشيعة أو الرافضة، فهؤلاء لم يوثقهم أحد من أهل السنة، فلا حجة لهذا الموسوي بإيرادهم، وقد رددنا عليه في ذلك وفصّلناه والحمد لله.
ثم قوله: (وأظن المعترضين سيعترفون بخطئهم فيما زعموه من أن أهل السنة لا يحتجّون برجال الشيعة وسيعلمون أن المدار عندهم على الصدق والأمانة بدون فرق بين السّنّي والشّيعي) ، يدل دلالةً واضحة على ما نقلناه، فقد أنطقه الحقّ- والحقّ ينطق منصفًا وعنيدًا- في بيان إثبات إنصاف أهل السنة وتحرّيهم الحقّ والصدق أينما كان، في الوقت الذي يخلو فيه-كما قلنا- مذهب هؤلاء الشيعة من أي إنصاف لأهل السنة حتى على وجه المجاملة، بل عندهم من الطعن والسّبّ والبغض لأئمة أهل السنة ما يعلمه كل من طالع كتبهم الأصول. ثم إنّ ما اعترف به هذا الموسوي دليل عليه وحجة عليه بما عند أهل السنة مما رووه في كتبهم، حين قرر هو أن المدار عندهم على الصدق والأمانة بدون فرق بين السّنّي والشّيعي، ثم يناقض نفسه بعدم الأخذ بما في كتب أهل السنة من الأحاديث والروايات، أليس هذا عجيبًا؟! نقول: لا عجب إذا استحضرنا ما عند هذا الموسوي من العصبية المذمومة وتحكيم الهوى، بل والتزييف والكذب.
المراجعة (17) س:
(1) مجمع الزوائد) (8/121) .
(2) تنزيه الشريعة) (2/16) .
(3) راجع ترجمته من التهذيب.