فهرس الكتاب
قوله في الفقرة الأولى من هذه المراجعة: (إن من أحاط علمًا بسيرة النبي صَلّى الله عليه وآله وسلّم في تأسيس دولة الإسلام... يجد عليًا وزير رسول الله في أمره... إلى آخر كلامه) باطل مردود، منبعه من العصبية والتحكم المحض العاري عن الدليل، فأين علي من أبي بكر الصديق رضي الله عنه صاحب رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، وخليفته إذا غاب في حياته وبعد موته رغم أنف المبطلين؟! وكان أبو بكر الصديق بحضرة النبي صَلّى الله عليه وسلّم يفتي، ويأمر وينهى، ويقضي، ويخطب، كما كان يفعل ذلك إذا خرج هو ورسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يدعو الناس إلى الإسلام، ولما هاجرا جميعًا ويوم حنين، وغير ذلك من المشاهد والنبي صَلّى الله عليه وسلّم ساكت على ذلك ويرضى بقوله، ولم تكن هذه المرتبة لغيره، وكان النبي صَلّى الله عليه وسلّم في مشاورته لأهل العلم والفقه والرأي من أصحابه يقدم في المشورة أبا بكر وعمر، فهما اللذان يتقدمان في الكلام والعلم بحضرة الرسول صَلّى الله عليه وسلّم على سائر أصحابه، مثل قصة أسارى بدر وغير ذلك. وأيضًا فأبو بكر وعمر كان اختصاصهما بالنبي صَلّى الله عليه وسلّم فوق اختصاص غيرهما، وكان أبو بكر أكثر اختصاصًا، فإنّه كان يسهر عنده عامة الليل يحدّثه في العلم والدين ومصالح المسلمين، كما ثبت ذلك عن عمر رضي الله عنه: (كان رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يسهر عند أبي بكر في أمور المسلمين وأنا معه) أخرجه الإمام أحمد (1/26، 34) والترمذي (1/153-154) .
وفي سفر الهجرة لم يصحب غير أبي بكر، ويوم بدر لم يبقَ معه في العريش غيره، وقال صَلّى الله عليه وسلّم: (إن أمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتّخذت أبا بكر خليلًا) وهذا من أصحّ الأحاديث المستفيضة في الصحاح من وجوه كثيرة، رواه من الصحابة أبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود، وأبو هريرة، وأبو المعلّى، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم (1) . وبعض هذه الطرق جاءت ممّن عنده تشيّع، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك خلال استعراضنا لتراجمهم، مثل سليمان بن مهران الأعمش، وعبد الرزاق الصنعاني، وأبي إسحاق السبيعي وغيرهم، وقد روى هذا الحديث صحابة آخرون ليس هذا موضع استقصائه.
وبمناسبة ذكر الرواة المتشيّعين -أو الذين عندهم تشيّع- فإن حديث عمر السابق في سهر النبي صَلّى الله عليه وسلّم عند أبي بكر في مصالح المسلمين، قد جاء من طريق رواة متشيّعين، أقرّ بذلك الموسوي نفسُه حين ذكرهم ضمن الرواة المئة السابقين، إذ رواه عن عمر رضي الله عنه علقمة بن قيس النخعي، وقد أقرّ بثقته وتشيّعه هذا الموسوي حين ذكره برقم (60) ، ورواه عن علقمة إبراهيم بن يزيد النخعي، وهو متشيع أيضًا ذكره هذا الموسوي برقم (2) ، ورواه عن إبراهيم سليمان بن مهران الأعمش، وله ذكر عند هذا الموسوي برقم (39) ، ورواه عن الأعمش أبو معاوية الضرير وهو محمّد بن خازم، ذكره أيضًا هذا الموسوي برقم (77) (2) . فلا حجة لهذا الموسوي ولا لأصحابه- والحمد لله- برد هذا الحديث، بعد أن أظهر الله الحق وأزهق الباطل وقطع ألسنة هؤلاء الرافضة.
وقد أقر عليّ رضي الله عنه نفسه باختصاص أبي بكر وعمر بالنبي صَلّى الله عليه وسلّم أكثر من غيرهما، وذلك فيما رواه الإمام أحمد (1/109، 112) ، والبخاري (197) ، ومسلم (4/1859) ، وابن ماجة (98) ، عن ابن عباس قال: (وضع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبَيَّ من ورائي فالتفتّ فإذا هو عليّ، وترحّم على عمر وقال: ما خلفت أحدًا أحبّ إليّ أن ألقى الله عزّ وجلّ بعمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ وذلك أني كنت كثيرًا ما أسمع النبي صَلّى الله عليه وسلّم يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت أرجو أن يجعلك الله معهما) اهـ. وكذلك سؤال أبي سفيان يوم أحد- لما أصيب المسلمون- عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم وصاحبيه أبي بكر وعمر فقط، فحتى الكفار كانوا يعلمون أن هؤلاء هم رؤوس المسلمين؛ النبي صَلّى الله عليه وسلّم ووزيراه، وأن قيام الدين بهم.
(1) انظر: مسند الإمام أحمد) (1/270، 359، 377، 389، 409، 412، 433، 434، 437، 439، 455، 463) (2/253، 366) (3/18، 478) (4/5، 4، 211-212) ، (صحيح مسلم) (4/1854-1855، 1856) ، (سنن الترمذي) (4/308، 309، 310) ، (سنن ابن ماجة) (93، 94) .
(2) وانظر إسناده هذا الذي ذكرناه عند الترمذي (1/153-154) ، وكذا مسند الإمام أحمد (1/26، 34) .