فهرس الكتاب
قلت: وهذا اتّهام آخر لأهل السنة وعلمائهم بأنهم كانوا يكتمون العلم، نظير اتّهام هؤلاء الرافضة الضّلاّل للصحابة بأنهم كتموا وصية النبي صَلّى الله عليه وسلّم لعليّ، وهذا دأب كل المبطلين مع أهل العلم، فما فعله أهل السنة لا يعد كتمانًا للعلم، بل نشر للعلم بين أهله المستحقّين له، حتى يحقق الغرض منه، ويدل على ذلك نفس لفظ ترجمة البخاري في بابه ذاك الذي اقتطع منه هذا الموسوي ما يبين سبب فعل ذلك؛ إذ قال البخاري (1/44) : (باب من خصّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا) فالسبب في ذلك -أولًا- خشية عدم فهم هؤلاء، ثم هو ليس كتمانًا مطلقًا بل إعطاؤه لبعضٍ دون بعض، وأيضًا لأهل السنة في ذلك أدلة؛ منها ما أخرجه البخاري نفسه في ذلك الباب، ومنها قول عليّ رضي الله عنه نفسه الذي يشكّل لطمةً على وجه هذا الموسوي وأصحابه من جهة إسناده ومتنه، أما إسناده عند البخاري فقد رواه شيخ البخاري عبيد الله بن موسى، عن معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل، عن عليّ قال: (حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله؟!) فإسناده رجالٌ كلهم عندهم تشيّع، أقرّ بذلك هذا الموسوي نفسه وبثقتهم حين ذكرهم ضمن الرواة المئة السابقين فراجع تراجمهم في مواضعها هناك، ومتنه فيه دليل لما ذهب إليه أهل السنة من تخصيص بعض العلم لقوم دون قوم، وهو حجة على هذا الموسوي لا يمكنه -ولله الحمد- دفعها؛ لأنها من قول عليّ أولًا. ومن إسناد كلهم شيعة قد ارتضاهم هذا الموسوي نفسه فما عساه يقول؟!
ثم إنّ أهل السنة لا يقولون بذلك مطلقًا في كل أبواب العلم، بل في ما يؤدي ظاهرها إلى ذلك، مثل الأحاديث التي في ظاهرها الخروج على السلطان، أو أحاديث الفتن ونحوها، قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (1/300) : (وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب، والله أعلم) اهـ. أما عند الرافضة المخذولين أصحاب هذا الموسوي فتجد كتمان العلم كله وإظهار الباطل وطمس الحق، ولا أدل على ذلك من مذهب التقية القائلين به، ونحن نسأل: من الذي يجعل أصول دينه قائمةً على إخفائها وطمسها والتظاهر بخلافها؟ أليسوا هم الشيعة الرافضة الضّلال؟ فإن كان هذا الموسوي قد نقل من (صحيح البخاري) ما يظن- بحماقته- أنه دليل على كتمان أهل السنة للعلم- مع أنه ثابت عن عليّ نفسه- فنحن ننقل له ولأصحابه نصًّا قاطعًا من أهم كتبهم، فيه التصريح بالأمر بكتمان لا العلم وحده بل الدين كله، ألا وهو ما رواه ثقة إسلامهم الكليني في (الكافي في الأصول) (باب التقية) (2/222) (1) عن جعفر الصادق أنه قال لأحد شيعته: (يا سليمان! إنكم على دين من كتمه أعزّه الله، ومن أذاعه أذله الله) . وأما نحن أهل السنة فنقول بقول الله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ ) ) [البقرة:159] وصدق الله العظيم.
ثم عاد هذا الموسوي فاتّهم في الفقرة الثالثة هنا البخاري وسريرته أيضًا تجاه عليّ وأهل البيت، وهو ما أشرنا إليه أثناء الرد على المراجعة (12) وقلنا: إن هذا أمر ما ادعاه أحد حتى رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، بأنه يعلم سريرة أحدٍ من الناس، فكيف تسنّى لهذا الموسوي أن يعلم سريرة البخاري؟
ثم هو مناقض لما سبق من قوله (ص:76) بأن البخاري قد أخرج لأناس رافضة مبغضين لأبي بكر وعمر، وهذا شأن كل أهل الأهواء، غايتهم رد الحق ودفعه وإن كان في ذلك من التناقض ما لا يخفى، والله المستعان على ما يصفون!
المراجعة (23) : س:
موافقة شيخ الأزهر في ثبوت ذلك الحديث، لكنّه اعترض ببعض الاعتراضات الواهية، وأقواها أن الحديث يدل على الخلافة الخاصة في أهل بيته صَلّى الله عليه وسلّم. (يريد بهذه الاعتراضات الواهية التي لفقت على شيخ الأزهر الصادرة على الاعتراضات الصحيحة لأهل السنة ومنها سقوط الحديث عن الاحتجاج) .
المراجعة (24) : ش:
زعمه صحة هذا الحديث عند أهل السنة، ومن ثم احتجاجه به عليهم.
زعمه كذلك ان الخلافة الخاصة منفية بالإجماع، وأن كل من قال: أن عليًا خليفة رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في أهله قائل بخلافته العامة.
ثم ادعى توالي النّصوص بعد ذلك في هذه الخلافة المزعومة.
الرد على المراجعة (24) :
تكذيبه في صحة هذا الحديث عند أهل السنة.
الإشارة إلى ما تقدم من النصّ الصريح في إثبات الخلافة الخاصة وهو ما ينقض قوله.
ادعاء توالي النّصوص ادعاء بلا ضابط ولا تحقق.
(1) طبعة إيران).