الصفحة 136 من 366

ومما سبق يُعلم أن توثيق من وثّق أبا بلج هذا كابن معين وغيره، ليس توثيقًا مطلقًا، بل فيما وافق فيه الثقات، وإن ضعفه هذا لا لعلة في نفسه بل لضعف حفظه، ألا ترى أن ابن معين نفسه قد ضعّفه أيضًا؟ (1) وهذا الحديث مما انفرد به أبو بلج هذا فلم يتابعه عليه أحد في روايته عن عمرو بن ميمون، قال أبو نعيم في (الحلية) (4/153) لما ذكر طرفا يسيرًا من هذا الحديث: (لم يروه عن عمرو إلا أبو بلج) اهـ.

فيبقى هذا الحديث إذًا من منكرات أبي بلج هذا، وقد حكم عليه بذلك الذهبي نفسه في (الميزان) في ترجمة أبي بلج هذا وقال: (ومن مناكيره: عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس أن النبي صَلّى الله عليه وسلّم أمر بسدّ الأبواب إلاّ باب عليّ رضي الله عنه، رواه أبو عوانه عنه) اهـ. قلت: وهو طرف يسير جدًا من هذا الحديث، فيُستبعد بعد ذلك تصحيح الذهبي له.

وحتى يطمئن أهل السنة لما قررناه من ضعف إسناد هذا الحديث، وصحة ما قلناه في أبي بلج، نذكّرهم بأن الإمام أحمد قال عنه: روى حديثًا منكرًا. ولا أظنه يعني إلا هذا بدليل أن الذهبي ألحقه بما قال عنه: من مناكيره، ثم إن أبا بلج هذا كان علّة ضعف إسناد أثر ابن عمرو المعروف في فناء النار، وبه ردّ أهل العلم ثبوت ذلك الأثر واستبعدوه، مثل الحافظ الذهبي في (الميزان) ، وعدّه من بلايا أبي بلج، ومثل المحدث الشيخ الألباني في (الضعيفة) (2/72) وفي تحقيقه لرسالة الصنعاني (رفع الأستار) (ص:82) (هامش رقم 42) وغيرهم، وإنما ذكرنا هذا لدفع شبهة من يقول بثقة أبي بلج هذا مطلقًا وبالتالي يصححون حديثَه، وقد سلكنا فيما سبق المنهج العلمي الثابت في نقد هذا الإسناد، ودللنا على صحته بصنيع أهل العلم في ذلك، ولله الحمد.

ومما يزيد هذا الحديث وهنًا -إضافةً إلى ضعفه السابق- أنه عند أهل السنة الذين يحتج به عليهم هذا الموسوي مخالف تمامًا لما صحّ وثبت عندهم، بل واستفاض من أحاديث النبي صَلّى الله عليه وسلّم، التي فيها ما يعارض بعض ما جاء في هذه الفضائل، مثل قوله لما بعثه بسورة التوبة (لا يذهب بها إلاّ رجل هو مني وأنا منه) ، وأن رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم كان قد بعث بها أولًا أبا بكر، وهو باطل لا يثبت، فإن أبا بكر خرج أميرًا على الحج في تلك السنة قبل نزول سورة التوبة، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله، وكذلك من المنكرات التي فيه قوله لما خلفه في غزوة تبوك: (أنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي) ، وكذلك سدّ أبواب المسجد غير باب عليّ، فإن هذا من المنكرات الأباطيل التي ردّها أهل العلم وبينوا نكارتها أو وضعها.

ونحن لا نقول برده لمجرد مخالفته لتلك الأحاديث، كما قد يظنّ بعض الجهلة، وإن كان هذا لوحده كافٍ لذلك، كما هو مقرر عند أهل العلم في الحديث المنكر المردود، الذي يسمّون ما عارضه من الصحيح: المعروف والمحفوظ، لكننا نقول بردّه لضعف إسناده -أولًا- الذي بيناه معززًا بأقوال أهل العلم، وثانيًا: لمعارضته الأحاديث الصحيحة المستفيضة في ذلك، فأصبح منكرًا مردودًا لذلك. وقد أطلت الكلام في بيان ضعف هذا الحديث؛ لدقّة عِلَّتِه وخفائها، وأرجو أن تكون قد أصبحت واضحةً جليةً إن شاء الله.

ولا يفوتني أن أنبّه إلى ما أخفاه هذا الموسوي من لفظ الحديث هذا الذي ساقه، مما لا يعجبه ولا يرضى به، فأقدم على حذفه كعادته في التصرّف حتى في النّصوص التي يسوقها، الأمر الذي يؤكد عدم أمانته بهذا العمل؛ فحينما ذكر نوم عليّ رضي الله عنه مكان النبي صَلّى الله عليه وسلّم عندما هاجر لم ينقلها بالتفصيل، بل هضم منها ما فيه أكبر فضيلة لأبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، وهو مصاحبته للنبي صَلّى الله عليه وسلّم دون أي شخص آخر في تلك الهجرة، وهي فضيلة لم ينل منها أحدٌ ولا قريبًا منها عليّ والآخرون، إذ نقل هذا الموسوي قوله: (وشرى عليّ نفسه فلبس ثوب النبي ثم نام مكانه وكان المشركون يرمونه... إلى أن قال: وخرج رسول الله في غزوة تبوك...) فقوله: (إلى أن قال) يشير إلى ما اقتطعه من نص الحديث، قطع الله ذكره وأصحابه! وهو من فضائل أبي بكر الصّدّيق كما قلنا، وكما يتضح لكل من راجع نص الحديث في مواضعه تلك.

(1) نقله الحافظ ابن حجر في التهذيب فقال: ونقل ابن عبد البر وابن الجوزي أن ابن معين ضعّفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت