فهرس الكتاب
وهناك أمر آخر أقدم عليه هذا الموسوي في تصرّفه بهذا النصّ، ألا وهو ما اقتطعه من آخره، وقد يعجب من ينظر إلى فعله هذا كيف يقتطع من النص الذي فيه فضائل لعليّ، وإن الأولى به سرده بالكامل؟! لكن هذا العجب يزول لمن راجع نفس النص في موضعه، إذ يتبين له أن ما اقتطعه من آخره فضائل ليست مخصوصةً بعليّ، بل يشاركه فيها صحابةٌ آخرون وأولهم في ذلك الشيخان أبو بكر وعمر، فها هو الموسوي يرتاع عند مروره بأيّ من فضائلهما أيضًا، حتى إنه ليرضى بأن يحذف هذه الفضائل من عليّ إذا كان في حذفها أيضًا حذف لفضائلهما، وقد علم الصبيان فضلًا عن الكبار مكانتهما وفضلهما في الإسلام وعند رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، التي لا يزاحمهما فيها أحد، وصدق الله العظيم إذ يقول عن أصحاب النبي صَلّى الله عليه وسلّم: (( لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ ) ) [الفتح:29] وأحقهم في هذه الآية أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
وأما ما اقتطعه هذا الموسوي فإنّه بعد قوله في الحديث: (فإن مولاه عليّ) قال: (وأخبرنا الله عزّ وجلّ في القرآن أنه قد رضي عن أصحاب الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، وهل حدّثنا أنه سخط عليهم بعد؟! قال: وقال نبي الله صَلّى الله عليه وسلّم لعمر حين قال: ائذن لي فلأضرب عنقه، قال: أو كنت فاعلًا؟ وما يدريك لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم) اهـ. هذا ما أقدم على حذفه هذا المفتري المجرم، مما فيه فضائل لأصحاب بدر أجمعين، ومنهم أبو بكر وعمر وسائر الصحابة الذين تبغضهم الرافضة الملعونون. وأيضًا فضائل لكل أصحاب الشجرة الذين بايعوا محمّدًا صَلّى الله عليه وسلّم تحتها، ويشمل الشيخين، وعثمان رضي الله عنه بالأخص، فإنّه هو الذي من أجله كانت تلك البيعة نصرةً وانتقامًا له حين أشيع أنه قُتِل، كما هو مفصّل في كتب السيرة.
وقوله في الفقرة الثانية: (ولا يخفى ما فيه من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، على أنّ عليًا وليّ عهده وخليفته من بعده) باطلٌ مردود، إذ قد بينا عدم ثبوت الحديث، مع أن معظم ما جاء فيه لا يختصّ به عليّ، بل يشاركه فيه غيره من الصحابة أو جميع المؤمنين بالله ورسوله، كقوله: (يحبّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) ، فإنّ من المعلوم أنّ كل مؤمن ومؤمنة حتى تقوم الساعة يحب الله ورسوله، وكذا فإنّ الله يحب المؤمنين كلهم، وهو وليّهم كلهم كما قال: (( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) ) [البقرة:257] فبان بهذا أن لا اختصاص لعليّ رضي الله عنه بأي شيء مما ذكر، وإنما عُدّت من فضائله لإقرار النبي صَلّى الله عليه وسلّم بها وبيان صدق عليّ رضي الله عنه فيها، وأيضًا فإن الولاية في الدنيا والآخرة ثابتة لجميع المؤمنين، كما قال تعالى: (( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) ) [فصلت:31] .
ثم استدلّ هذا الموسوي على مطلوبه بحديث: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) وما أتبع ذلك من الآيات، ومن حماقاته أنه قال: (ولم يستثن من جميع المنازل إلا النبوة، واستثناؤها دليل على العموم) وسنبين ما في هذا من الباطل إن شاء الله، فنقول وبالله التوفيق:
قد كانت لهارون من موسى عليهما السّلام منازل: الأول: أنه أخوه، والثاني: كان شريكه في النبوة، والثالث: أنه خلفه في قومه لما توجّه لميقات ربه، وكما هو واضح فليس منها أبدًا- ولله الحمد- أنه خلفه بعد موته؛ لأن هارون مات قبل موسى بسنين، وإنّما خلف موسى بعد موته يوشع بن نون، قال الإمام ابن حزم في (الفصل) (4/94) عما لعليّ في هذا الحديث: (وهذا لا يوجب له فضلًا عمن سواه، ولا استحقاق الإمامة بعده عليه السّلام؛ لأن هارون لم يلِ أمر بني إسرائيل بعد موسى عليهما السّلام، وإنما ولي الأمر بعد موسى عليه السّلام يوشع بن نون، فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السّلام، كما ولي الأمر بعد رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة) اهـ.
وهذا الأحمق الموسوي لم يستثن من تلك المنازل سوى النبوة، وقال إنها تعني العموم، وتكون نتيجة قوله أن عليًا أخو رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم ؛ لأنه لم يستثن الأخوة، وعملًا بالعموم الذي قاله هذا الأحمق. ونحن نقول: إنه لا يجوز أن يكون النبي صَلّى الله عليه وسلّم عنى بقوله هذا أنك أخي لأبي وأمي، ولا أنك تخلفني بعد موتي؛ لأن هذه المنزلة لم تكن لهارون من موسى أبدًا، فثبت إذًا أنه أراد: إنك خليفتي على المدينة فقط عند توجّهي إلى هذه الغزوة، غزوة تبوك.