فهرس الكتاب
فثبت أن الفضيلة لعليّ رضي الله عنه في هذا الحديث إنما هي في هذا الاستخلاف المؤقت فقط، ولله الحمد، وكل ما يمكن أن تدّعيه الشيعة من فضائل عليّ من هذا الحديث هو استخلافه المذكور هذا، وتشبيهه بهارون عليه السّلام، ونحن نجيب عن ذلك بأن هذا الاستخلاف لم يكن خاصًا بعليّ رضي الله عنه، فقد استخلف رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم أبا لبابة بن عبد المنذر لما سار النبي صَلّى الله عليه وسلّم لغزوة بدر، واستخلف عثمان بن عفان رضي الله عنه لما خرج لغزوة ذات الرقاع، واستخلف ابن أم مكتوم لما خرج لحرب بني النضير، واستخلف أيضًا أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري لما خرج رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم لفتح مكة، وهذا كله ثابت في (السيرة) ، وهو كله ليس استخلافًا مطلقًا، ولهذا لم يقل في أحد من هؤلاء أنه خليفة رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم إلا مع التقييد، مع العلم أن استخلاف هؤلاء كان أكبر من استخلاف عليّ لما خرج لغزوة تبوك؛ فإن أولئك كانوا يستخلفون على المدينة وفيها جماهير المؤمنين، ولما استخلف عليها عليّ في غزوة تبوك لم يكن فيها إلاّ النساء والصبيان والعجزة، حتى حزن عليّ لذلك وعدّه منقصةً له، خصوصًا وقد طعن به المنافقون لذلك، فطيّب رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم نفسه بذلك. فكما أن استخلاف الآخرين لم يوجب لهم فضلاّ على غيرهم ولا ولاية الأمر بعد النبي صَلّى الله عليه وسلّم ؛ فكذلك استخلاف عليّ لا يوجب له أيًّا من ذلك.
وأما عن فضيلة تشبيهه بهارون عليه السّلام، فليس هو بأعظم من تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى عليهما السّلام، وتشبيه عمر بنوح وموسى عليهما السّلام، وذلك فيما رواه الإمام أحمد (1/383) ، والترمذي (3/37) (4/113) ، والحاكم في (المستدرك) (3/21-22) وصححه، من حديث ابن مسعود في قصة أسرى بدر، وهؤلاء الأربعة؛ إبراهيم، وعيسى، ونوح، وموسى، أفضل من هارون عليهم السّلام أجمعين، وكل من أبي بكر وعمر شبّه باثنين لا بواحد، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه عليّ.
وأحب أن أشير إلى أن حديث تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى وتشبيه عمر بنوح وموسى قد رواه الأعمش، وهو ممن عنده تشيّع، وقد ذكره هذا الموسوي من الرواة المئة السابقين برقم (39) وأقرّ بثقته، وقد رواه عن الأعمش أبو معاوية الضرير محمّد بن خازم، وجرير بن عبد الحميد، وكلاهما عنده تشيّع، وقد ذُكرا أيضًا ضمن أولئك الرواة المئة، فلا حجة لهذا الموسوي ولا لأصحابه بردّ هذا الحديث، فهو من طريق رواة أقروا بثقتهم وبما عندهم من تشيع، والحمد لله رب العالمين.
ثم ما قرره هذا الموسوي من كون عليّ شريك رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في أمره ما خلا النبوة، وما استنتجه من ذلك كله هراء وسخف، وكما قال الإمام أبو محمّد بن حزم: لو لم يكن من الحجة على أن الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء، ويزين لكل أمة عملها إلا وجود من يعتقد هذه الأقوال السخيفة؛ لكان أقوى حجة وأوضح برهان، وإلا فما خلق الله عقلًا يسع فيه مثل هذه الحماقات، والحمد لله على عظيم منّته علينا، وهو المسؤول منه دوامها، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وسياق الآيات لا يساعده أبدًا، كما لا يخفى على العقلاء دون المجانين، لكني أظن أنه يشير إلى حديث كذب لا يعجز عن وضع أمثاله المبطلون ممن هم أكذب الطوائف على الإطلاق، الذين يبنون دينهم على الكذب والنفاق، ذلك الحديث الذي ذكر طرفًا منه في (ص:170) (المراجعة-34-) ، وما استحى من أن ينسبه في الهامش (25) هناك إلى تفسير الثعلبي، الذي لم يره هذا الموسوي ولا أحد من أقرانه؛ إذ هو غير مطبوع، لكنّه نقله من سلفه ابن المطهر الحلي، وفيه ان النبي صَلّى الله عليه وسلّم دعا لعليّ بن أبي طالب مثل دعاء موسى لهارون عليها السّلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (1) : علماء الحديث يعلمون وضع هذا بالضرورة اهـ. قلت: وهؤلاء الرافضة لا يقدرون على الإتيان بإسناد واحدٍ صحيح لهذا الذي يزعمونه، ونحن نتحداهم به، وإلا لما تعمّد هذا المفتري الموسوي عزوه إلى تفسير لم يُطبع، رغبةً في إخفاء حقيقته. وقد أشار إلى هذا الحديث أيضًا السيوطي في (الدر المنثور) (5/566) وقال- رغم تساهله الشديد وقلة عنايته: (بسندٍ واهٍ) ، وهذا شأن من بنى مذهبه على الظنون والتخرصات.
(1) المنتقى) (ص:482) .