فهرس الكتاب
وخرافة أن عليًا كان شريك رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في الأمر ما خلا النبوة، تعني أنه صَلّى الله عليه وسلّم ما كان مستقلًا بأمر الأمة في حياته منذ بداية بعثته صَلّى الله عليه وسلّم، فإذا كان كذلك كيف لم يعلمه عليّ رضي الله عنه حتى أخبر بذلك في آخر غزوة غزاها رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم؟ وإذا كانت مشاركته في الأمر حصلت عند غزوة تبوك لا قبلها، فما الفائدة منها وقد انقضت سيرة محمّد صَلّى الله عليه وسلّم إلا قليلًا؟! ثم ما الذي يمنع أن يكون عليّ وزيرًا لمن يخلف النبي صَلّى الله عليه وسلّم أيضًا كأبي بكر رضي الله عنه؟ أليس هذا ما تقتضيه الوزارة؟ وما علمنا بوزير انقلب فصار ملكًا أو نحوه إلا الغادرين.
ثم قوله: (وهذا نص صريح في كونه خليفته، بل نص جليّ في أنه لو ذهب ولم يستخلفه كان قد فعل ما لا ينبغي أن يفعل) ما تقول يا أحمق في خروج عليّ رضي الله عنه مع رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في باقي غزواته؛ مثل بدر وأحد والخندق وغيرها من المشاهد؟ وما تقول في خروجهما في حجة الوداع؟ فقد خرج معه، فهل تقول عن فعل النبي صَلّى الله عليه وسلّم هذا: إنه مما لا ينبغي له أن يفعل؟! والله هو الكفر بعينه، فلعنة الله على الظالمين.
وإنما وقع هذا الموسوي في مثل هذا لحماقته وضلال مذهبه، فنحمد الله على الهداية ونسأله تمامها. وقد بينا كذب هذا الحديث الذي استدل به: (إنّه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت...) مع ما فيه من الخطأ اللغوي، والله أعلم. ومثله الحديث الآخر في نفس القصة: (إن المدينة لا تصلح إلا بي وبك) وهو كذب أيضًا، ذكره في الموضوعات غير واحد، كابن الجوزي (1/357) ، والكناني في (تنزيه الشريعة) (1/382) ، ورواه ابن حبان في (المجروحين) (1/285) من طريق حفص بن عمر الأبلي، وقد كذّبه أبو حاتم وغيره، وقال ابن حبان عن الحديث: باطل، في سنده حفص وهو كذاب. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله بن بكير الغنوي عن حكيم بن جبير، وصححه فأفحش، إذ تعقّبه الذهبي -جزاه الله خيرًا- بأن عبد الله هذا وحكيم ضعيفان عندهما مناكير.
مع مخالفة كلا الحديثين لما ثبت من خلو المدينة مرات عديدة من النبي صَلّى الله عليه وسلّم وعليّ رضي الله عنه، الأمر الذي يبين كذب هذا الحديث.
وسائر ما ذكره هذا الموسوي في هذه المراجعة مثل قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) ) [المائدة:67] وكل ما شاغب به أيضًا، تقدم منا الرد عليه بحمد الله عند ذكره لهذه الآية في (المراجعة-12-) فراجع ما قلناه أثناء الرد على المراجعة (12) ففيه الرد -إن شاء الله- الذي يُخرس أمثال هذا الموسوي.
المراجعة (27) : س:
تشكيك شيخ الأزهر بسند الحديث اعتمادًا على ما نُسب إلى الآمدي.
المراجعة (28) : ش:
ذكر حديث (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) ومخرجيه.
زعمه الرد على الآمدي في تضعيفه هذا الحديث.
الرد على المراجعة (28) :
بيان التدليس الشنيع في سوقه هذا الحديث بعد حديث ابن عباس السابق، مع التشكيك في ثبوت رد الآمدي للحديث.
الإشارة إلى الزيادات الموضوعة من قبل الرافضة في حديث المنزلة هذا.
تكلّم في هذه المراجعة على صحة قول النبي صَلّى الله عليه وسلّم لعليّ: (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟) وبيان ثبوته، وقد سمّاه حديث المنزلة، ولم يتأكد لي تشكيك الآمدي به، ولا تطمئن النفس لنقل هذا الموسوي لما قدمنا من انعدام الأمانة عنده، وعلى أي حال فإن كان هذا الموسوي يعني بحديث المنزلة ذاك الذي ساق لفظه في (المراجعة-26-) الذي فيه بضع عشرة من الفضائل لعليّ، ومنها هذه الفضيلة، فهو باطل مردود ومنكر كما قلنا، ولا يمكن هذا الموسوي إثباته حتى يلج الجمل في سم الخياط. لكن الظاهر أنه يعني هذا اللفظ الذي ذكرناه فقط ليس غيره، وإن كان قد دلّس تدليسًا شنيعًا؛ إذ ساقه بعد ذكره تلك الألفاظ، فهو صحيح ثابت عند أهل السنة، وذكر هذا الموسوي له هنا بين هذه الأحاديث الموضوعة كمثل من يلقي درة بين بعر.
واعلم أن هذا الحديث قد وردت له زيادات عديدة من صنع هؤلاء الرافضة وأذنابهم، كشأنهم في ما صحّ من فضائل عليّ رضي الله عنه كلها، لا يكتفون بالحق وإن جاءهم حتى يخلطوه بالباطل ويشوّهوه، وأما هذا الحديث فلم يصح منه سوى هذا اللفظ الذي ذكرناه أولًا وزيادة: (إلاّ أنه لا نبيّ بعدي) ، وما سوى ذلك فباطل موضوع أو منكر مردود، لم يثبته أحد من أهل العلم، ولا يغفلنّ أحد عن أن هذا الموسوي حاول التسوية بين كل ألفاظ الحديث، مستعملًا صحة ما ثبت منه لإثبات ما يريده من الزيادات الباطلة، ونحن إذ نوافقه على ثبوت هذا الحديث والذي قال به أهل العلم، نقصد به اللفظ الذي ذكرناه فقط دون أية زيادات أخرى، وعليه سنتكلّم فيما بعد إن شاء الله.