فهرس الكتاب
وحتى لا نبقي للشيعة أي حجة فيه -إن شاء الله- نقول لهم: تعالوا فلنطبّق ما قاله صاحبكم الموسوي هذا، وما أجلب بخيله ورجليه عليه؛ فلنقل بعموم المنزلة المذكورة في الحديث، ولنرى هل إن ذلك في الإمكان؟ وقد سبق قولنا بأن لهارون من موسى عليهما السّلام منازل منها أنه أخوه، وهذا طبعًا لا يمكن انطباقه على عليّ رضي الله عنه، فإن الأخوة هنا هي أخوة النسب من أب وأم، وهو ما لا يحلم الشيعة بقوله وادعائه والحمد لله. والمنزلة الأخرى أنه نبي معه وهذا أيضًا منتفٍ في حق عليّ، ولم تبقَ من تلك المنازل سوى خلافته له لما ذهب لميقات ربّه، وانتهت هذه الخلافة بعودة موسى عليه السّلام، وهذا هو الذي يقوله أهل السنة، وهو مقتضى الحديث وغايته، ولا يسمى هذا تخصيصًا له بلا حجة، فقد قدمنا لك عدم إمكان حمله على النبوّة ولا على الأخوة من النسب، فلم يبقَ إلاّ هذا، وأيضًا ليس في تلك المنازل -كما قلنا- أن هارون خلف موسى بعد موته، فنحن نقول بعموم الحديث، لكن ليس في عمومه إطلاقًا أنه خليفته بعد موته -ولله الحمد- حتى إذا ادعى الجهال أن من تلك المنازل وزارة هارون لموسى وشراكته له في أمره، فليس في كل ذلك -على فرض صحته- ما يشير أدنى إشارة إلى خلافته بعد موته، وطبعًا لا يمكن أحدًا أن يدّعي أن موسى أوصى لهارون في خلافته بعده.
فها أنت ترى -بحمد الله- أنّا لا نردّ بتخصيصه، بل مع قولنا بعمومه لا نرى فيه أية إشارة إلى استخلاف عليّ بعد النبي صَلّى الله عليه وسلّم، كما لم يكن ذلك من منازل هارون من موسى عليهما السّلام، فلا يرد علينا قول هذا الموسوي إذًا، ونظيره ما ذكره في الفقرة الثانية فهو مردود من وجهين:
الوجه الأول: إن أحدًا من أهل السنة لم يردّ على الشيعة في هذا الحديث بقصر لفظه على سبب وروده، فهم أصحاب القاعدة المعروفة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) ، وقال الإمام الشافعي: (السبب لا يصنع شيئًا، إنما تصنع الألفاظ) ، وانظر (المسودة في أصول الفقه) (ص:130) . لكننا مع قولنا بعموم لفظه نؤكد على عدم دلالته على استخلاف عليّ بعد النبي صَلّى الله عليه وسلّم كما قدمنا ذلك، وليس عند من يقوله إلاّ المكابرة والمعاندة.
الوجه الثاني: ما زعمه من مجيء هذا الحديث في غير غزوة تبوك باطل، وما هذه بأول أكاذيبه وادعاءاته الباطلة، فلا يثبت ذلك عند أهل السنة، كما سنبينه -إن شاء الله- في المراجعة القادمة عند سرد هذا الموسوي لتلك الأحاديث، وأما قوله بثبوتها في صحاحهم المتواترة- زعم- فلا دليل فيه بحمد الله على أهل السنة، فضلًا على عدم امتلاكهم لما يسمّى بالصحاح المتواترة، كما فصلنا ذلك في صفحة (106-108) بنقل قول حجّتهم الحالي الخوئي، فراجعه.
وأكثر من ذلك أنه ثبت في الحديث الصحيح أن استخلاف النبي صَلّى الله عليه وسلّم لعليّ رضي الله عنه في غزوة تبوك ليس استخلافًا على المدينة كلها، بل على أهل بيته فقط، أخرج ذلك ابن إسحاق في (السيرة) (1) ، ومن طريق ابن إسحاق أخرجها ابن أبي عاصم في (السنة) (1332) ، ونقلها ابن كثير في (البداية والنهاية) (5/7) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لما نزل رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم بالجرف لحقه عليّ بن أبي طالب يحمل سلاحه، فقال: يا رسول الله خلفتني! ولم أتخلّف عنك في غزوة قبلها، وقد أرجف بي المنافقون، وزعموا أنك إنما خلفتني لأنك استثقلتني، قال سعد: فسمعت رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يقول: (ألا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك) اهـ. فهذا صريح في تقييد خلافته بأهل البيت رضي الله عنهم، وجاء ذلك أيضًا من حديث عليّ رضي الله عنه نفسه عند أبي نعيم في (الحلية) (7/196) قال: قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك: (خلفتك أن تكون خليفتي في أهلي) ، فأي وجه يبقى للشيعة فيه بعد هذا؟! ونحن لا نردّ على هذا الموسوي بنقض ادعائه في مجيء هذا الحديث في غير غزوة تبوك فسحب، بل نورد ما فيه تخصيص، حتى ما جاء في تلك الغزوة من خلافة علي في أهل البيت فقط، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
(1) انظر (سيرة ابن هشام) (4/163) .