فهرس الكتاب
بقي أن ننبّه إلى أن ما قرّره هذا الموسوي في الفقرة الثالثة من هذه المراجعات من (حجّية العام المخصوص) لم ينفرد هو به ولا فضل له به، فهذا مذهب جمهور الأصوليين من أهل السنة، بل ومن غير أهل السنة، وهو الذي اختاره الآمدي وابن الحاجب وغيرهما من محققي المتأخرين، وانظر على سبيل المثال (إرشاد الفحول) (ص:137) ، وكلام هذا الموسوي هنا منقول من كتب الأصول حتى بما يضربه من الأمثال، وقد أورد هو هذه المسألة بما تخيّله من ردّ لا حقيقة له، إذ لم يقل أحد من علماء أهل السنة ذلك في هذا الحديث فيما علمت، ولا أظن أحدًا مثل شيخ الأزهر يعترض مثل هذه الاعتراضات الواهية، ودونه كتب فحول أهل السنة في ردّهم على الشيعة في احتجاجهم بهذا الحديث، مع ما قدمنا من صحة تخصيص استخلاف عليّ رضي الله عنه في غزوة تبوك بأهل البيت في الحديث الآنف الذكر، والله الموفّق للصواب.
المراجعة (31) : س:
التماس موارد هذا الحديث.
المراجعة (32) : ش:
سرد لستة موارد مزعومة لهذا الحديث، وادعاؤه تشبيه عليّ وهارون كالفرقدين.
الرد على المراجعة (32) :
نقض ما زعمه من هذه الموارد، وبيان ضعفها وسقوطها عن الاحتجاج.
ذكر في هذه المراجعة عددًا من الأحاديث وادعي صحتها وثبوتها وإليك التفصيل:
ما روي من قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سليم: (يا أم سليم! إنّ عليًا لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى) اهـ. ضعيف لا يثبت، وقد عزاه هذا الموسوي في (الهامش) (2/161) لكنز العمال ولمنتخب الكنز، لكنه لم ينقل تخريج صاحب الكنز لهذا الحديث، وهو قصور فاحش منه يريد به عدم الكشف عن ضعف هذا الحديث، إذ عزاه صاحب الكنز (32936) للعقيلي في (الضعفاء) ، وهو بهذا العزو يستغني عن بيان ضعفه كما بيّنه في مقدمة كتابه (1/10) ؛ إذ قال بعد ذكره للعقيلي هذا وابن عدي والخطيب وابن عساكر ما لفظه: (وكل ما عزي لهؤلاء الأربعة، وللحكيم الترمذي في نوادر الأصول، أو للحاكم في تاريخه، أو لابن الجارود في تاريخه، أو للديلمي في مسند الفردوس؛ فهو ضعيف فيستغنى بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه) اهـ. من أجل هذا لم ينقل هذا الموسوي تخريج صاحب الكنز لهذا الحديث، وكتم بذلك علمًا، فله من الله ما يستحق. وأخرج هذا الحديث أيضًا الطبراني في الكبير (12341) عن ابن عباس رضي الله عنهما، لكن ذكر فيه أم سلمة وليس أم سليم بنفس اللفظ هذا، وهو لا يفرح به، إذ هو من طريق محمد بن تسنيم عن الحسن بن الحسين العرني، ومحمد هذا هو الورّاق، ذكره الذهبي في (الميزان) وقال: (ما أعرف حاله، لكنه روى حديثًا باطلًا) .
والحسن العرني أيضًا ضعيف، قال أبو حاتم: لم يكن بصدوق عندهم، كان من رؤساء الشيعة. وقال ابن حبان: يأتي عن الأثبات بالملزقات ويروي المقلوبات. قلت: ومنها هذا الحديث، وبه أعلّ الحديث، وضعفه الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/111) فهو إذًا ضعيف لا يثبت، ولله الحمد.
الحديث الوارد في قصة اختصام عليّ وجعفر وزيد في ابنة حمزة، أخرجه البخاري (3/241-242) (5/179-180) ، والإمام أحمد (1/98، 108، 115) من حديث البراء بن عازب عند البخاري، ومن حديث علي بن أبي طالب عند الإمام أحمد، وليس فيه هذا اللفظ أبدًا، بل فيه قوله لعلي: (أنت مني وأنا منك) ، وقوله لجعفر: (أشبهت خَلقي وخُلُقي) ، وقوله لزيد: (أنت أخونا ومولانا) . فهذا الحديث فيه فضل لهؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم، ومنقبة كبيرة لجعفر بتشبيه خلقه بخلق النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى لنبيّه: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ) [القلم:4] . أما قوله لعليّ رضي الله عنه: (أنت مني وأنا منك) فهو فضل له نعم، لكنّ ذلك لا يدلّ على تقديمه على من سواه، مع أن هذا اللفظ لم يختص به عليّ رضي الله عنه، بل قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم لغيره، مثل جُلَيبيب رضي الله عنه لما قتل في غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قتل سبعةً من المشركين، فوقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (قتل سبعةً ثم قتلوه، هذا منّي وأنا منه، هذا منّي وأنا منه) ، أخرجه مسلم في (صحيحه) (4/1919) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أيضًا للأشعريين قوم أبي موسى، فيما أخرجه البخاري (3/181) ومسلم (4/1945) عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة؛ جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم) . وأخرج الإمام أحمد نحوه من حديث أبي عامر الأشعري (4/129) . ورواه الإمام أحمد أيضًا (1/169) من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك أيضًا لبني ناجية. وكلّ هذا يبيّن عدم اختصاص عليّ رضي الله عنه بهذا الفضل.