الصفحة 143 من 366

أما الحديث المزعوم من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعليّ في هذه الحادثة بالخصوص: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) ، فقد رواه النسائي في (خصائص علي) (ص:19) من طريق المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي، وهذا الإسناد ضعيف من أجل عباد بن عبد الله هذا، قال عنه ابن المديني: ضعيف الحديث. وقال البخاري: فيه نظر. فمثل هذا لا يصح الاحتجاج به. وانظر ما قلناه في بداية الكلام على المراجعة (26) عن اصطلاح البخاري هذا، وأنه لا يقوله إلاّ فيمن يتّهمه غالبًا.

ما روي من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ: (أنت أول المؤمنين إيمانًا...) الحديث، باطل مكذوب، وقد نقله هذا الموسوي مع تخريجه في (الهامش) (4/164) من (كنز العمال) (36392، 36395) ، وعزاه للحسن بن بدر فيما رواه الخلفاء، والآخرون من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد توقفت فيه أولًا لعدم معرفة إسناده، ثم تبيّن لي أن صاحب الكنز كان قد ذكره قبل ذاك (36378) وساق إسناده، فهو من طريق الحسين بن عبيد الله الأبزاري البغدادي، نا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدّثني أمير المؤمنين المأمون، حدّثني الرشيد، حدّثني المهدي، حدّثني المنصور، حدّثني أبي، حدّثني عبد الله بن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول... وذكره بطوله مع اختلاف يسير، وهو نفس إسناد الأول بقرينة الخلفاء الذين جاء من طريقهم، وعزاه صاحب (الكنز) للحسن بن بدر فيما رواه الخلفاء. وقد عقب صاحب الكنز على هذا بقوله: (الأبزازي كذّاب) قلت: وقد كذّبه أحمد بن كامل القاضي فيما نقله الخطيب في ترجمة الحسين من (تاريخ بغداد) (8/56-57) ، والذهبي في (الميزان) ، وذكر بعض أكاذيبه أيضًا، فالحديث إذًا من طريق كذاب، ويريدنا هذا الموسوي أن نحتج به!

4، 5- أشار في هاتين الفقرتين إلى المؤاخاة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، وذكر حديثين في اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا أخًا له، وهما من الأحاديث الموضوعة المكذوبة كما سنبيّنه إن شاء الله، والقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ علياّ أخًا له خرافة لا أساس لها، وما هي بأول أكاذيب الشيعة، ومثلها القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض، ولا عبرة بمجرد ذكر ذلك في كتب السّيَر، إنما العبرة بثبوته وصحته حتى يستقيم الاحتجاج به، ولا يمكن أحدًا أبدًا أن يثبت صحة هذه المؤاخاة ولله الحمد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأحاديث المؤاخاة كلّها كذب، ولا آخى النبيّ صلى الله عليه وسلم بين مهاجري ومهاجري، ولكن بين المهاجرين والأنصار) وأقرّه الذهبي في (مختصر منهاج السنة) المسمى (المنتقى من منهاج الإعتدال) (ص:460) .

وسنبيّن كذب تلك الأحاديث -إن شاء الله- في (المراجعة -34-) فقد ذكرها هذا الموسوي هناك، ونكتفي هنا بالكلام على الحديثين اللذين ساقهما، وقبل ذلك أقول: إنّ هذا الموسوي كعادته في الانتقاء من كلام الرجال ما يوافق هواه، نقل من كلام ابن عبد البر في (الاستيعاب) ما يفيده في (الهامش) (5/161) ، وترك الآخر وهو تضعيف ابن عبد البر لحديث زيد بن أبي أوفى هذا المذكور هنا، حينما أشار إليه وإلى ما ذكره من المؤاخاة فقال: (1/559) ، (إلاّ أن في إسناده ضعفًا) فأقدم على إخفائه هذا الموسوي، كما حذف شطر حديث زيد بن أبي أوفى هذا الأول. في كيفية المؤاخاة؛ لا لطوله بل لأن فيه التصريح الواضح بفضائل عظيمة لعدد من الصحابة الذين تبغضهم الرافضة -قبّحهم الله- وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير رضي الله عنهم أجمعين (1) .

فقبل الكلام على سند الحديث وبيان ضعفه ووضعه، نقول لأصحاب هذا الموسوي: إن كنتم تقولون بثبوت هذا الحديث وتحتجّون به، فهيّا لنطلعكم على ما جاء فيه مما أخفاه عنكم صاحبكم الموسوي هذا؛ لأن فيه قارعة على رؤوسكم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر كما في هذا الحديث: (إنّ لك عندي يدًا إنّ الله يجزيك بها، فلو كنت متّخذًا خليلًا لاتّخذتك خليلًا، فأنت منّي بمنزلة قميصي من جسدي) .

وقال لعمر: (فأنت معي في الجنة ثالث ثلاثة من هذه الأمة) ، والثلاثة هم: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر، بدليل ذكر أبي بكر قبله.

وقال لعثمان: (أنت ممن يرد عليّ الحوض وأوداجه تشجب دمًا فأقول: من فعل بك هذا؟ فتقول: فلان وفلان، وذلك كلام جبريل عليه السلام، وذلك إذا هتف من السماء: ألا إنّ عثمان أمين على كل خاذل) فليسمع كل الشيعة هذا.

وقال لعبد الرحمن بن عوف: (ادن يا أمين الله والأمين في السماء...) ومن أمانته أنه قدم في الشورى عثمان على عليّ.

وقال لطلحة والزبير: (أنتما حواريّ كحواري عيسى ابن مريم عليه السلام) .

وهذا كله مما لا ترضى به الشيعة وتأنف منه ولا تطيق سماعه، كما هو معلوم عند كل من عرف مذهبهم وقرأ كتبهم في ذلك.

(1) انظر نص الحديث في (المعجم الكبير) للطبراني (5146) وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت