فهرس الكتاب
فالحديث إذًا متنه مردود على مذهب الشيعة، وإسناده مردود على مذهب أهل السنة، كما سنبيّنه إن شاء الله.
فقد أخرجه الطبراني في الكبير (5146) ، وذكره المتقي الهندي في (الكنز) (36345) ، وعزاه لأحمد في كتاب (مناقب علي) ، وبين شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة) ، أن هذا ليس من رواية الإمام أحمد وإنما من زيادات القطيعي، ثم ساق إسناد القطيعي (1) الذي رواه من طريق البغوي في (معجمه) ، وذكره المتقي الهندي أيضًا في (الكنز) (25555) وساق له إسنادين عن زيد بن أبي أوفى، وعزاه لهؤلاء الذين ذكرهم هذا الموسوي، ونقل تخريجه منه (البغوي والطبراني في معجميهما، والباوردي في المعرفة، وابن عدي) ، وذكره السيوطي أيضًا في (الدر المنثور) (6/76-77) ، وعزاه لهؤلاء ولم يتكلّم عليه بشيء، لكن نقل المتقي الهندي في (الكنز) عقب تخريجه تضعيف السيوطي وغيره من الأئمة لهذا الحديث، فقال نقلًا عن السيوطي (9/170-171) : (وكان في نفسي شيء، ثم رأيت أبا أحمد الحاكم في الكنى نقل عن البخاري أنه قال: حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشير أبو عمرو عن يحيى بن معين، حدثني إبراهيم القرشي، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى به، وقال: هذا إسناد مجهول لا يتابع عليه ولا يعرف سماع بعضهم من بعض) اهـ. وهذا كله موجود في (الكنز) فاقتطعه هذا الموسوي قطع الله ذكره، مما يدلّ على عدم أمانته في النقل.
وهذا الحديث ضعيف جدًا لا يثبت، وليس ببعيد من الوضع، فقد روي من طريق عبد المؤمن بن عباد بن عمر العبدي، عن يزيد بن معن، عن عبد الله بن شرحبيل، عن رجل من قريش، عن زيد بن أبي أوفى- وفي بعض طرقه: عبد الله بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى- ورواته من دون الصحابي مجهولون لا يعرفون، ولم أجد لهم أية ترجمة، سوى عبد المؤمن بن عباد العبدي، فقد ذكره الذهبي في (الميزان) ونقل تضعيف أبي حاتم له، وقول البخاري عنه: لا يتابع على حديثه.
وله طريق أخرى، تلك التي رواها البخاري فيما نقله السيوطي عنه فيما تقدم نقله من (الكنز) ، ورواته أيضًا مجهولون، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض كما قال البخاري، وإبراهيم القرشي وسعيد بن شرحبيل اللذين في الطريق ذكرهما الذهبي في (الميزان) و (المغني) وحكم بجهالتهما. وانظر كلام البخاري السابق على هذه الطريق في (التاريخ الصغير) (1/217) ، وقد أشار البخاري هناك أيضًا إلى طريق ثالثة فقال: (ووراه بعضهم عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصل له) اهـ. فهذه طرق هذا الحديث الذي لا يثبت أبدًا، إذ هو من طريق مجاهيل لا تعرف عدالتهم وحالهم فضلًا عن لقائهم بمن رووا عنه، وهو ليس ببعيد من الوضع، وقد حكم عليه بذلك ابن الجوزي في (العلل المتناهية) (1/214) ، إضافةً لشيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السّنة) (2) ، وقد أقره على ذلك الذهبي أيضًا، فضلًا عمّن ضعفه كالبخاري فيما سبق وابن عبد البر في (الاستيعاب) (1/559) . وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (1/560-561) : (وقال ابن السكن: روي حديثه من ثلاث طرق ليس فيها ما يصح) اهـ. هذا حديث زيد بن أوفى الأول الذي ذكره الموسوي، أما الحديث الثاني عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعليّ: (أغضبت علي حين آخيت...) الحديث. فقد عزاه للطبراني في الكبير، وطبعًا نقل ذلك من (الكنز) أو منتخبه. وهو حديث مكذوب موضوع، أخرجه الطبراني (11092) وفي إسناده حامد بن آدم المروزي وهو كذاب، كذبه الجوزجاني وابن عدي، وعده السليماني فيمن اشتهر بوضع الحديث، وقال ابن معين: كذاب لعنه الله. وقد ذكر هذا الحديث أيضًا الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/111) وقال: (رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه حامد بن آدم المروزي وهو كذاب) اهـ.
وبعد أن بيّنا كذب هذين الحديثين فلا حاجة لنا إلى رد ما ادّعاه هذا الموسوي في الهامش (8/163) ، إذ بطلانه أوضح من أن يحتاج إلى رده، خصوصًا بعد ثبوت كذب هذين الحديثين كما قلنا، ومن باب أولى كذب ما ادعاه من أنّ قوله صلى الله عليه وسلم لعليّ: (أنت مني بمنزلة هارون...) قد جاء في غير غزوة تبوك. وعلى مثل هذين الحديثين تقيم الشيعة مذهبها، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
(1) انظر (مختصر المنهاج) (460) .
(2) انظر (مختصر المنهاج) (ص:460) .