فهرس الكتاب
أشار في هذه الفقرة إلى الأحاديث الواردة في سدّ الأبواب غير باب عليّ، وهي كلها ضعيفة لا تثبت ولا تقوم بها حجة والحمد لله، كما سنبيّنه فيما بعد إن شاء الله، لكنه ذكر حديثين في ذلك، فيهما قول النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ: (أنت مني بمنزلة هارون...) مدللًا على مجيئه في غير غزوة تبوك كما زعم، ولو أنه احتجّ بأحاديث من كتب أهل السنة لكان له وجه في ذلك، لكنه لعدم وجود مثل هذه الافتراءات عندهم ولا حتى في كتب الموضوعات، عدل عنها إلى كتب أئمته الشيعة محتجًا بذلك على أهل السنة، بعد أن سبق زعمه باحتجاجه على أهل السنة بما في كتبهم -زعم- هذا والله هو الخزي والخذلان!
فهذان الحديثان؛ حديث جابر بن عبد الله، وحديث حذيفة بن أسيد الغفاري، نقلهما هذا الموسوي من كتاب (ينابيع المودة) للبلخي، الذي نقلهما بدوره من كتاب (فضائل أهل البيت) لأخطب خوارزم، وقد اعترف بذلك هذا الموسوي نفسه في الهامشين (9، 10/163) ، وهذا كله لا يشكل دليلًا على أهل السنة والحمد لله، فأخطب خوارزم هذا من رجال الشيعة، فضلًا عن أنه من الأدباء وليس من أهل الحديث والأثر الذين يعتمد على نقلهم، واسمه: الموفق بن أحمد بن إسحاق، المعروف بأخطب خوارزم أو خطيب خوارزم (484-568ه) ، وهو من تلاميذ الزمخشري، ترجم له السيوطي في (بغية الوعاة) (ص:401) ، والقمّي في (الكنى والألقاب) (2/11-12) ، وذكر كتابه هذا (فضائل أهل البيت) وأنه قال في آخره شعرًا في مدح عليّ رضي الله عنه، وكتابه هذا مليء بالأكاذيب والموضوعات، فضلًا عن أنه لا يشكل دليلًا على أهل السنة كما قلناه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن كتابه هذا في (منهاج السنة) (1) : (فيه من المكذوبات ما لا يوصف) اهـ.
وهذا بحمد الله كافٍ لردّ هذين الحديثين، لكن أضيف مؤيدًا ما قلناه أن حديث جابر بن عبد الله المذكور هذا: (يا عليّ! إنه يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي...) قد ذكره الذهبي في (الميزان) (1/469) في ترجمة حرام بن عثمان الأنصاري من طريقه، وهو ليس بثقة كما قال مالك ويحيى، وقال أحمد: ترك الناس حديثه. وقال الشافعي وغيره: الرواية عن حرامٍ حرام. وقال ابن حبان: كان غاليًا في التشيّع، يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل. وبنحو قول الشافعي السابق قال ابن معين والجوزجاني.
فتأكدنا من حال هذا الحديث أولًا، ومن قولنا السابق عن أخطب خوارزم وكتابه ثانيًا، ولله الحمد.
وقال بعد ذلك في هذه الفقرة: (وكم لهذه الموارد من نظائر لا تُحصى في هذه العجالة..) .
قلت: نعم، نظائر لا تُحصى في كتب الموضوعات المكذوبات كما بيّناه ونبيّنه بعد إن شاء الله. وما قاله في الفقرة السابعة من هذه المراجعة كله سخف وحماقة، فضلًا عما فيه من التحكّم المحض، وسنفصّل ذلك -إن شاء الله- حين تفصيله لها في المراجعة الآتية.
المراجعة (33) : س:
التماس شيخ الأزهر موارد تشبيه علي وهارون كالفرقدين.
المراجعة (34) : ش:
ساق مجموعة أخرى من النصوص الواهية والباطلة، زاعمًا الاحتجاج بها على تشبيه عليّ وهارون كالفرقدين.
الرد على المراجعة (34) :
نقض كل نصوصه تلك بالتفصيل بعد سوق شيء ما عن التشبيه عمومًا.
ذكر في هذه المراجعة عددًا من الأحاديث التي زعم أنها تدل على تساوي منزلتي هارون وعليّ في أمتيهما، ومن تتبع كلام هذا الموسوي هنا وأئمة الشيعة عمومًا في هذه المسألة؛ اتضحت له الأصول اليهودية في مذهب الشيعة هؤلاء، نظير قولهم بالوصاية لعلي على غرار الوصاية ليوشع بن نون بعد موسى عليه السلام التي اعترف بها أئمة الشيعة؛ كالكشي والنوبخيّ وغيرهما (2) . واعتمادًا على ما ذكر من هذه الأحاديث يريد هذا الموسوي القول بخلافة عليّ للنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، مع أن هذه المنزلة لم تكن لهارون من موسى عليهما السلام، ولا قبل لهم بإثباته، والأحاديث التي ساقها ما بين موضوع إلى ضعيف لا يثبت، فلا تقوم بها حجة، وما يمكن أن يصحّ منه -كحديث شبرّ وشبير- لا يستلزم ذلك أبدًا، إذ ليس في تشبيه أسماء ولد عليّ بأسماء ولد هارون ما يستلزم التشابه في كل شيء؛ ذلك أن التشبيه في اللغة يراد به الإشارة إلى صفة مشتركة بين المشبه والمشبه به، لا مطلق التشابه في جميع الصفات؛ فإن هذا محال لا يمكن تصوره من وجود شيئين متماثلين من كل الوجوه، فأنت إذا قلت عن امرأة أجنبية عنك آوتك وربّتك وأدّبتك: هي منّي بمنزلة أمّي، لا يفهم منه أنها بمنزلة أمّك في كلّ شيء، حتى في تحريم زواجك من ابنتها على أساس أنها أخت لك، أو في وراثتها إذا ماتت أو بالعكس، وغير ذلك فإن هذا معلوم البطلان، وإنما يُفهم من إنزالك إياها منزلة أمّك في العطف والحنان والمكانة ليس إلا، ومن ادّعى شموله فإنما ينادي على نفسه بالحماقة والجهل، كما فعل هذا الموسوي في حديث المنزلة.
(1) انظر (مختصر المنهاج) (ص:312) .
(2) انظر ما نقلناه عنهم سابقًا في الرد على المراجعة (16) .