فهرس الكتاب
ولو صحّ القول بأن عليًّا في هذه الأمة بمنزلة هارون من بني إسرائيل؛ لما أفاد العموم والشمول كما قدمنا، كيف وهو لم يصح، ونعوذ بالله من القول بما لم يصح، وهو ما يريد قوله هذا الموسوي، لكنه لم يتجرأ على التصريح به، وقد كفانا ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لعليّ: (أنت مني...) فقصرها به لا بجميع الأمة، فعليّ بمنزلة هارون من محمد صلّى الله عليه وسلم فقط لا بالنسبة لجميع الأمة كما هو صريح الحديث، ويصبح القول بفرض طاعته على جميع الأمة كحال هارون من العبث، إذ هو وارد على غير محله كما قدمنا. ثم منزلته رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم وتشبيهها بمنزلة هارون من موسى لا تفيد مطلق التشبيه، وإنما هو تشبيه جزئي كما دللنا عليه من غاية التشبيه في اللغة، وعلى فرض أنه تشبيه مطلق فقد قدمنا أنه كانت لهارون منازل؛ منها أنه أخوه لأمّه وأبيه -لا أخوّة الدين- ومنها أنه نبي معه، ومنها أنه خليفته المؤقت في حياته حين ذهب لميقات ربه، وليس في أي من تلك المنازل ولا غيرها أن هارون خلف موسى بعد موته عليهما السلام، فبطل بذلك احتجاج الشيعة بهذا الحديث على خلافة عليّ رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، والحمد لله. فأنت ترى أن هناك موانع كثيرة تمنع من الاحتجاج بالحديث على ما ادعاه هذا الموسوي -المفتري- وأصحابه الرافضة الضّلال.
وهناك أمر آخر، وهو أننا -على سبيل التنازل- لو وافقنا هذا الموسوي على ادعائه تشابه عليّ وهارون تشابهًا مطلقًا، فيلزم منه -على مذهبهم- نقض القول بالوصاية لعليّ على غرار الوصاية ليوشع بن نون، التي ينادي بها أئمة الشيعة كما قدمنا ذكره عنهم في الرد على المراجعة (16) ؛ إذ يكون أحق الناس بالتشبيه بيوشع بن نون وأن ينزل منزلته هو أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان معه في الغار، وسافر معه إلى المدينة، كما كان يوشع بن نون صاحب موسى، الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السلام، وهو الذي ولي أمر بني إسرائيل بعد موسى، كما ولي أبو بكر الصدّيق أمر هذه الأمة- بحق- بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهؤلاء الرافضة الضّلاّل كلما وجدوا مثلًا صالحًا في بني إسرائيل جعلوه لعليّ رضي الله عنه، وإن أدى ذلك إلى التناقض الفاضح، فهم مرةً يقولون: إن مثل عليّ مثل مؤمن آل فرعون، كما صرح به هذا الموسوي ورددنا عليه أثناء الرد على المراجعة (12) ، وبينا هناك أن أحق الأمة بالتشبيه بمؤمن آل فرعون أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه بأدلة عدة؛ منها قول عليّ رضي الله عنه نفسه فراجعه. ومرّة يقولون: إن مثل عليّ مثل يوشع بن نون، وأخرى: مثله مثل هارون، وقد علم القاصي والداني عدم إمكان اجتماع هذين المثلين لاختلاف ما بينهما وكل هذا وقعت فيه الرافضة لحماقتها وضلالها، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم ذكر في الفقرة الأولى من هذه المراجعة حديث علي رضي الله عنه في تسمية النبي صلى الله عليه وسلّم للحسن والحسين بأسماء ولد هارون، وعزاه للإمام أحمد (1/98) ، وللحاكم (3/165، 168) ، وعلى فرض صحة هذا الحديث فقد قدمنا بالتفصيل عدم لزومه للتشابه المطلق التام بين هارون عليه السلام وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما هي غاية التشبيه في اللغة والعرف.
وقد نقل هذا الموسوي عن الحاكم تصحيحه لهذا الحديث على شرط الشيخين، وهو كذب واضح؛ إذ أن الحاكم اكتفى بتصحيحه وقال: صحيح الإسناد. ولم يقل: على شرط الشيخين ولا أحدهما، لكن وافقه الذهبي على ذلك، وهو لا يستقيم؛ فإنه من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن هانئ بن هانئ، عن عليّ. وأبو إسحاق السبيعي ثقة لكنه مدلّس، وقد عنعنه ولم يصرّح بالتحديث، وهو إلى ذلك كان قد اختلط حفظه بآخره. وشيخه هانئ بن هانئ مجهول الحال أو مستور كما قال الحافظ في التقريب، فلم يرو عنه سوى أبي إسحاق السبيعي، وقد حكم عليه بالجهالة ابن المديني، وقال الجوزجاني- فيما نقله الحافظ في التهذيب في ترجمة أبي إسحاق-:
فأما أبو إسحاق فروى عن قومٍ لا يُعرفون، ولم يُنشر عند أهل العلم إلا ما حكى أبو إسحاق عنهم، فإذا روى تلك الأشياء عنهم كان التوقيف في ذلك عندي الصواب اهـ. قلت: وهانئ بن هانئ هذا من هؤلاء، فلا يصحّ هذا الإسناد.
وله طريق أخرى رواها ابن سعد فيما نقله ابن كثير في البداية والنهاية (7/331) ، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال عليّ... وذكره. وفي إسناده انقطاع، فسالمٌ لم يُدرك عليًّا كما في التهذيب و (المراسيل) لابن أبي حاتم (ص:55) ، فضلًا عن أن الأعمش مدلّس وقد عنعنه ولم يصرّح بالتحديث.