فهرس الكتاب
وهذا الحديث قد أخرجه الخطيب في (تاريخ بغداد) (4/210) عن بلال بن حمامة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ضاحكًا مستبشرًا، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: (بشارة أتتني من عند ربي، إن الله لما أراد أن يزوّج عليًا فاطمة أمر ملكًا أن يهز شجرةَ طوبى، فهزّها فنثرت رقامًا- يعني صكاكًا- وأنشأ الله ملائكةً التقطوها، فإذا كانت القيامة ثارت الملائكة في الخلق، فلا يرون محبًا لنا أهل البيت محضًا إلاّ دفعوا إليه منها كتابًا براءة من النار، من أخي وابن عمي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار) اهـ. وهو حديث كذب لا يخفى ذلك على متنه. قال الخطيب بعد إخراجه: رجال هذا الحديث ما بين بلال وعمر بن محمد كلهم مجهولون اهـ. قلت: وهم سبعة، أبو علي أحمد بن صدقة البيع، حدثنا عبد الله بن داود بن قبيصة الأنصاري، حدثنا موسى بن علي، حدثنا قنبر بن أحمد بن قنبر مولى علي بن أبي طالب، عن أبيه عن جده كعب بن نوفل. وقد ذكر بعضهم الذهبي في (الميزان) وحكم بجهالتهم، وأشار إلى هذا الحديث في ترجمة موسى بن علي من (الميزان) وقال: (إسناده ظلمات) وقال قبل ذلك: (والخبر كذب) ، وحكم عليه أيضًا بالكذب والوضع ابن الجوزي في (الموضوعات) (1/400) وابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة) (1/367) .
قال: (ولما زفت سيدة النساء إلى كفئها سيّد العترة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أم أيمن! ادعي لي أخي، فقالت: هو أخوك وتنكحه، قال: نعم يا أم أيمن، فدعت عليًا فجاء..) الحديث.
قلت: هذا الحديث منكر مردود، وإنما يصدّقه من لا علم له بالأخبار ولا بالسيرة، أخرجه الحاكم (3/159) من طريق أبي يزيد المدني عن أسماء بنت عميس قال: كنت في زفاف فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم... الحديث. ولم يصححه الحاكم ولم يعقب عليه بشيء، لكن الذهبي رده- جزاه الله خيرًا- فقال: (ولكن الحديث غلط؛ لأنّ أسماء كانت ليلة زفاف فاطمة بالحبشة) اهـ. ومنه يعلم كذب هذا الموسوي حين قال في الهامش (4/166) : (وأخرجه الذهبي في تلخيصه مسلمًا بصحته) .
وما قاله الذهبي في رد هذا الحديث هو الحق، فإن أسماء بنت عميس كانت زوجة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، هاجرت معه إلى الحبشة، وبقيت هناك حتى قدم جعفر ومن معه وزوجته أسماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد فتح خيبر سنة سبعٍ للهجرة، وهذا مستفيض في السيرة، وكل من صنّف في السيرة ذكره وأقرّه لا يماري في ذلك إلا الجهلاء. ومثلها في الاستفاضة والشهرة والثبوت زواج عليّ من فاطمة رضي الله عنهما في السنة الثانية من الهجرة بعد بدر، ومعنى ذلك أن أسماء بنت عميس كانت في الحبشة مع زوجها جعفر حين تزوّج عليّ فاطمة. ولا يمكن أن يقال: إن هذا من قبيل مرسل الصحابي فيقبل؛ فإن في الخبر ما هو مردود حتمًا، وهو شهود أسماء لزواج فاطمة من عليّ وقولها: كنت في زفاف فاطمة، فهذه علّة قادحة في المتن توجب وهنه وضعفه ومن ثم ردّه.
ثم إن أبا يزيد المدني الراوي عن أسماء ليس ممن يحتجّ بتفرّده، قال الحافظ في التقريب: مقبول. وهذا وإن كان من ألفاظ التعديل لكنه أقلّها وأدناها كما يعلمه أهل هذا العلم الشريف، وليس بعده إلا الجرح. وكما هو ثابت عند أهل الحديث، فلا يحتج بأصحاب هذه المرتبة إذا انفردوا، كما هو الحال في حديثنا الحالي، يعني أنه مقبول حيث يتابع، كما بيّنه الحافظ في مقدمة التقريب.
وأظن -والله أعلم- أن هذا هو السبب فيما وقع من غلط في متن هذا الحديث، مما يرد على من احتجّ بهذا الحديث كهذا الموسوي الخبيث، والحمد لله على توفيقه.
وقوله في (الهامش) (4/166) : (وكل من ذكر زفاف الزهراء ذكره لا أستثني منهم أحدًا) أبطل من سابقه، ونحن نتحدّاهم بذكر واحد ساقه بإسناد صحيح ثابت، ونعفيهم من ذكر الاتفاق عليه.
ثم قال: (وكم أشار إليه فقال: هذا أخي وابن عمي، وصهري وأبو ولدي) وعزاه في الهامش (5/166) للشيرازي في الألقاب وابن النجار عن ابن عمر رضي الله عنهما، وطبعًا نقل ذلك من (الكنز) أو (منتخبه) .