فهرس الكتاب
وقد ذكره في (الكنز) (32947) ولم يعقب عليه بشيء، لكنه كان قد ذكره أيضًا، (12914) وأشار إلى ما فيه من ضعف بقوله: (وفيه إسماعيل بن يحيى) قلت: وفي الرواة إسماعيل بن يحيى أربعة: إسماعيل بن يحيى التيمي، والشيباني، وابن سلمة بن كهيل، والمعافري. والأولان كذّابان، والثالث متروك، والرابع مجهول لا يُعرف- كما في (الميزان) والتهذيب وغيرهما- فبان بهذا كذب الحديث أو ردّه على أي وجه. لكن الراجح عندي أنه الأول: إسماعيل بن يحيى التيمي؛ لأمرين: الأول: أن الثلاثة الآخرين هم من رجال السنن (ابن ماجة، والترمذي، وأبو داود) فلو كان أحدهم هو المذكور لبيّنه صاحب الكنز بوضوح إذ حاله لا يخفى. الأمر الثاني: أن إسماعيل بن يحيى التيمي قد جاء في ترجمته من (تاريخ بغداد) (6/247-249) ما يدل على تشيّعه، فهو أقرب الأربعة لرواية مثل هذا الكذب، والله أعلم.
وكل هذا لعدم تمكّني من الوصول إلى (ذيل تاريخ بغداد) لابن النجار، مع أنه مطبوع موجود، ولا أرى الآن حاجة إلى ذلك، إذ على فرض عدم صحة ما قلناه يبقى الحديث مكذوبًا أو مردودًا ساقطًا كما هو واضح. والتيمي هذا كذّبه الدارقطني، والحاكم، وأبو علي النيسابوري. وقال صالح بن محمد جزرة: كان يضع الحديث. وقال الأزدي: ركن من أركان الكذب، لا تحلّ الرواية عنه. وقال الذهبي: مجمع على تركه.
ثم قال: (وكلّمه مرةً، فقال له: أنت أخي وصاحبي) وعزاه في الهامش (6/166) لابن عبد البر في (الاستيعاب) عن ابن عباس. قلت: أخرجه ابن عبد البر (3/34-35) ، وهو عند الإمام أحمد في (مسنده) (1/230) ، كلاهما من طريق حجّاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. وعند الإمام أحمد بيان سبب ذلك، وهو في قصة اختصام عليّ وجعفر وزيد في ابنة حمزة، وقد تقدم ذكرها في (صفحة 383) وبينا الرواية الصحيحة الثابتة لها وفيها قول النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ: (أنت مني وأنا منك) ، وما سوى ذلك فضعيف مردود لا يصح الاحتجاج به، ومن تلك الروايات غير الصحيحة والساقطة رواية ابن عباس هذه، ففي سندها علّتان:
الأولى: حجاج المذكور هو ابن أرطاة، وهو وإن كان صدوقًا في نفسه إلا أنه كثير الخطأ والتدليس، كما قال الحافظ في التقريب، فلا يحتج بما رواه بالعنعنة- كما هو الحال هنا- وإنما فيما صرح فيه بالتحديث أو السماع فقط، قال ابن خزيمة: لا أحتجّ به إلا فيما قال: أنبأنا وسمعتُ (1) . فالعلّة الأولى إذًا تدليس الحجاج مع ما عنده من الخطأ.
الثانية: الانقطاع بين الحكم -وهو ابن عتيبة- وبين مقسم مولى ابن عباس، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمتي الحكم ومقسم من (تهذيب التهذيب) عن الإمام أحمد ويحيى القطان وغيرهما، أن الحكم لم يسمع من مقسم سوى أربعة أحاديث أو خمسة على الأكثر، ليس حديثنا هذا منها (2) ، وهذا ما نسميه انقطاعًا باعتبار الإسناد، وتحمل كل راوٍ عن الآخر لا مطلقًا، فإنه من قبيل الرواية عمّن عاصره ولقيه ما لم يسمع منه وهو أحقّ بأن يسمى تدليسًا، لهذا قال الحافظ في التقريب عن الحكم بن عتيبة: (ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلّس) ويعني به مثل روايته هذه عن مقسم.
ولا يتوهّمنً أحدٌ أن هذه علّة بسيطة أو غير قادحة، فإن الحكم كما مر ثقة ثبت، وعدم ذكره للواسطة بينه وبين مقسم لا لنسيانه بل لخلل قادح في تلك الواسطة؛ كأن يكون راويًا متّهمًا بالكذب، أو متروكًا، أو ضعيفًا جدًا. فدلّس الحكم اسمه وووصله بمقسم، شأنه في ذلك شأن كل المدلّسين من الحفاظ الأثبات؛ كالأعمش، والحسن البصري، وأبي إسحاق السبيعي وغيرهم. وهذا إنما فعلوه متأولين جوازه، أو لثقة تلك الواسطة عندهم بخلاف غيرهم، فأرادوا رواية حديثه، وبخلاف ذلك يكون حرامًا ويقدح في عدالتهم.
هذه نبذة مختصرة عن التدليس وخطره وأحقيّة علّته، والله أعلم. وهذه علّتان في إسناد هذا الحديث تمنعان من تصحيحه -كما هو واضح- ومن الاحتجاج به، فلا تبقى فيه بعد ذلك أية حجة لهذا الموسوي وأصحابه، مع ما سبق بيانه من مخالفته للفظ الصحيح في هذه القصة، قصة اختصام عليّ وجعفر وزيد في ابنه حمزة، والله الموفق للصواب.
ثم قال الموسوي: (وحدّثه مرة أخرى، فقال له: أنت أخي وصاحبي ورفيقي في الجنة) وعزاه في الهامش (7/166) للخطيب نقلًا من (كنز العمال) .
قلت: وقد أخرجه الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) (12/268) من طريق عثمان بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن عليّ. وهو حديث موضوع، عثمان بن عبد الرحمن المذكور هو القرشي الزهري الوقاصي، وهو كذاب كذّبه ابن معين، وأقل ما قيل فيه أنه متروك. وقد عدّ هذا الحديث في (الموضوعات) الألباني في (الضعيفة) (352) .
(1) انظر ترجمته من التهذيب وكذا (الميزان) .
(2) انظر تلك الأحاديث في (تهذيب التهذيب) (2/434) .