فهرس الكتاب
ثم قال الموسوي: (وقال: والله إني لأخوه ووليّه، وابن عمّه ووارث علمه، فمن أحق به مني؟) وعزاه في الهامش (14/167) للحاكم في (مستدركه) (3/126) ، وزعم تسليم الذهبي بصحته، وهو كذب؛ فإن الحاكم لم يصححه حتى يسلم به الذهبي، بل سكتا عنه ولم يعلقا عليه بشيء، بل قد أنكره الذهبي في (الميزان) (3/255) وقال: هذا حديث منكر. فمن زعم أن الذهبي قد صححه أو أقرّ صحته فقد كذب عليه وافترى.
وقد رواه الحاكم من طريق عمرو بن طلحة القنّاد، ثنا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، وهذا إسناد ضعيف فيه ثلاث علل:
الأولى: عمرو بن طلحة هذا هو عمرو بن حماد بن طلحة القنّاد، وهو وإن كان صدوقًا في نفسه إلا أنه رميَ بالرفض، كما قال الحافظ في التقريب، وانظر (الميزان) كذلك، فلا يحتج به في شيء من فضائل علي رضي الله عنه؛ لما عنده من الرفض كما هو مقرر عند أهل هذا العلم، وانظر الرد على المراجعة (12) من كتابنا هذا.
الثانية: أسباط بن نصر فيه ضعف من قبل حفظه، قال الحافظ: (صدوق كثير الخطأ يغرب) وقد ضعفه بسبب ذلك أبو حاتم والنسائي وغيرهما. وقال الساجي في (الضعفاء) : (روى أحاديث لا يُتابع عليها عن سماك بن حرب) (1) قلت: ومنها حديثنا هذا. وقد أنكر أبو زرعة على مسلم إخراجه لحديث أسباط هذا في الصحيح.
الثالثة: سماك بن حرب وإن كان صدوقًا إلا أن روايته عن عكرمة خاصةً ضعيفة، قال الحافظ في التقريب: (صدوق وروايته عن عكرمة خاصةً مضطربة، وقد تغيّر بآخره فكان ربما يلقّن) فهذا جرح مفسر واجب الأخذ به. فمن أين أتت الصحة لهذا الإسناد يا ترى؟
ثم قال: (وقال يوم الشورى لعثمان وعبد الرحمن وسعد والزبير: أنشدكم الله هل فيكم أحد آخى رسول الله بينه وبينه إذ آخى بين المسلمين غيري؟ قالوا: اللهم لا) وعزاه في الهامش (15/168) لابن عبد البر في (الإستيعاب) .
قلت: قد أخرجه ابن عبد البر (3/35) من طريق زياد بن المنذر، عن سعيد بن محمد الأزدي، عن أبي الطفيل. وزياد بن المنذر هذا هو أبو الجارود الهمداني الكوفي، قال ابن معين: كذّاب. وقال مرة: كذاب عدو الله ليس يساوي فلسًا. وكذبه أيضًا أبو داود. وقال الإمام أحمد والنسائي وغيرهما: متروك.
وقال ابن حبان: (كان رافضيًا يضع الحديث في مثالب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، ويروي في فضائل أهل البيت رضي الله عنهم أشياء ما لها أصول، لا يحلّ كتب حديثه) . وقد تركه أيضًا الدارقطني، واتّهمه يحيى بن يحيى النيسابوري بوضع الحديث.
قلت: وإليه تنسب الجارودية، فرقة من فرق الشيعة، ذكرها النوبخيّ أيضًا في (فرق الشيعة) وعندهم ضلالات منها القول بالرجعة.
وأبو الجارود زياد بن المنذر هذا قد ضعفه أيضًا ابن عبد البر نفسه مع روايته لحديثه في (الاستيعاب) ، مما يؤكد أن مجرد رواية الحديث لا تدل على ثبوته أو صحته عند من رواه، نقل الحافظ في ترجمة زياد من التهذيب عن ابن عبد البر أنه قال: (اتفقوا على أنه ضعيف الحديث منكره، ونسبه بعضهم إلى الكذب) اهـ. هذا بالإضافة إلى رجال آخرين في الإسناد لم أجد لهم ترجمة. وفيه أيضًا عمرو بن حماد القنّاد، وقد رمي بالرفض أيضًا، وبيّنّا حاله في الحديث السابق.
ولقصة كلام عليّ رضي الله عنه مع أصحاب الشورى الخمسة الآخرين إسناد آخر عن أبي الطفيل ليس أسعد حظًا من هذا الإسناد، ففيه أناسٌ متّهمون بوضع الحديث أيضًا، وقد قدمنا ذكره والكلام عليه أثناء الرد على المراجعة (12) من كتابنا هذا، وبذلك يتحقق وضع هذه القصة من أساسها، فلم يزدها هذا الإسناد إلاّ وهنًا على وهن كما هو واضح، والحمد لله رب العالمين.
ثم قال: (ولما برز عليّ للوليد يوم بدر، قال له الوليد: من أنت؟ قال عليّ: أنا عبد الله وأخو رسوله..) الحديث، وعزاه في الهامش (16/168) لابن سعد في طبقاته، وهو عند ابن سعد (2/ق1 /15) من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن البهي قال: ...وذكره، وهو ضعيف ساقط، فليس هو مرفوعًا إلى أحد من الصحابة، بل من قول البهي هذا واسمه عبد الله بن يسار مولى مصعب بن الزبير، وهو تابعي، فالحديث على هذا مرسل لا يحتج به، مع ما عند البهي هذا من سوء الحفظ، قال الحافظ في التقريب: (صدوق يخطئ) ، وقال أبو حاتم: (لا يحتج بالبهي، وهو مضطرب الحديث) . فالإسناد فيه إذًا انقطاع وضعف، وعلى هذا فهو مردود.
(1) انظر ترجمته من التهذيب.