الصفحة 156 من 366

وقد نقله من كتاب (ينابيع المودة) للبلخي، وهو ليس أحسن حالًا من صاحبنا هذا، فقد ساقه في كتابه (ص:99-100) من دون إسناد سوى عزوه لابن المغازلي فقط، الذي كفانا مؤونة تقييم ما فيه من أحاديث شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في رده على ابن المطهر الحلي (1) : (وأما ابن المغازلي الواسطي فقد جمع في كتابه من الكذب ما لا يخفى على من له أدنى معرفة بالحديث) اهـ. قلت: وهذا والله منها، ولا يسعهم رده إلا بكشف إسناد صحيح رجاله ثقات لمثل هذه النصوص المزعومة، وهذه حجة أهل العلم إلى قيام الساعة، والله الموفق للصواب.

وقال الموسوي: (وإملاؤنا لا يسع استيفاء ما جاء في ذلك من النصوص الثابتة عن كل من ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم، ورجل صحابي من خثعم، وأسماء بنت عميس، وأم سلمة، وحذيفة بن أسيد، وسعد بن أبي وقاص، والبراء بن عازب، وعلي بن أبي طالب، وعمر، وعبد الله بن عمر، وأبي ذر، وأبي الطفيل، وبريدة الأسلمي، وأبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجابر بن عبد الله) اهـ.

قلت: هذه دعوى عارية عن البيّنة والبرهان، لذا تراه لم يشر في هامشه إلى أي مصدر، مع أننا فيما قدمنا الكلام عليه قد تكلمنا على معظم ما ادعاه من أحاديث هؤلاء الصحابة هنا، فأحاديث كلّ من: ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم، وسعد بن أبي وقاص، وعمر، وعبد الله ابن عمر تقدمت قريبًا في الكلام على الأحاديث التي ساقها في الفقرة الثالثة من هذه المراجعة، وحديثا حذيفة بن أسيد وجابر بن عبد الله تقدم الكلام عليهما في الرد على المراجعة (28) . وأما حديث البراء بن عازب فهو نفسه حديث زيد بن أرقم المذكور في الهامش (21/169) من هذه المراجعات، وقد تقدم كلامنا عليه بنفس اللفظ وبنفس الإسناد، فقد رواه أبو الأشهب عن عوف عن ميمون أبي عبد الله عن البراء بن عازب (2) . أما حديثا علي بن أبي طالب وأبي ذر الغفاري فهما الآتيان في الهامشين القادمين (25، 26) . وحديث أبي الطفيل تقدم سابقًا طرف منه في الرد على المراجعة (34) وقبل ذلك الكلام عليه أيضًا أثناء الرد على المراجعة (12) .

وأما حديث أم سلمة فقد رواه ابن عساكر (3) من طريق أبي الخطاب الهجري عن محدوج -الذهلي- عن جسرة بن دجاجة، أخبرتني أم سلمة قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه حتى انتهي إلى صرحة المسجد فنادى بأعلى صوته: (إنه لا يحل المسجد لجنب ولا لحائض إلا لمحمد وأزواجه وعليّ وفاطمة بنت محمد، ألا هل بيّنت لكم الأسماء أن تضلّوا) . وحتى على فرض صحته وثبوته ففيه ما يهرب ويفر منه هذا الموسوي وأصحابه كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة، إذ فيه التصريح بشمول ذلك الحكم لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا. لكنه ضعيف لا يثبت، فأبو الخطاب ومحدوج الذهلي كلامهما مجهول لا يعرف، وقد عقب عليه الحافظ ابن كثير فقال: وهذا إسناد غريب وفيه ضعف.

وأما حديث أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رواه ابن عساكر أيضًا بنحو حديث أم سلمة السابق، فقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (7/343) عقب حديث أم سلمة السابق: (ثم ساقه -قلت: يعني ابن عساكر- من حديث أبي رافع بنحوه، وفي إسناده غرابة أيضًا) اهـ.

ثم قال الموسوي: (وفي المأثور من دعاء النبي صلى الله عليه آله وسلم: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: رب اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرًا من أهلي..) الحديث، وعزاه في الهامش (25/170) للثعلبي في تفسيره عن أبي ذر، وقال أيضًا: (ونقل نحوه المتتبع البلخي عن مسند الإمام أحمد) .

قلت: أما عزوه لمسند الإمام أحمد فهو كذب بيّن، وهؤلاء الرافضة لا يخجلون من أفعالهم هذه. وأما ما في تفسير الثعلبي فقد تقدم تفصيل الكلام عليه أثناء الرد على المراجعة (12) من كتابنا هذا، حين أتينا على ما أسماه هذا المفتري بآية الولاية، وكذلك مرّ بنا في الرد على المراجعة (22) مختصرًا، وبينا كذب هذا الحديث، وأنه من اختلاق هؤلاء الرافضة الضالين، مع التأكيد على أن هذا الموسوي لم ينقله من تفسير الثعلبي لأنه لم يطبع، بل من سلفه ابن المطهر الذي فضحه وردّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، فجزاه الله خيرًا.

ثم قال الموسوي: (ومثله ما أخرجه البزار من أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد عليّ فقال: إن موسى سأل ربه أن يطهّر مسجده بهارون، وإني سألت ربي أن يطهّر مسجدي بك، ثم أرسل إلى أبي بكر أن سدّ بابك، فاسترجع ثم قال: سمعًا وطاعة، ثم أرسل إلى عمر، ثم أرسل إلى العباس بمثل ذلك، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب عليّ، ولكن الله فتح بابه وسدّ أبوابكم) . وأشار في الهامش (26/171) إلى وجوده في (كنز العمّال) .

(1) انظر (مختصر المنهاج) (ص:420) .

(2) انظر البداية والنهاية (7/342) .

(3) البداية والنهاية (7/343) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت