الصفحة 158 من 366

حديث عمران بن حصين، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريّةً واستعمل عليهم عليّ بن أبي طالب، فاصطفى لنفسه من الخمس جاريةً، فأنكروا ذلك عليه، وتعاقد أربعةٌ منهم على شكايته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا قام أحد الأربعة فقال: يا رسول الله! ألم ترَ أن عليًّا صنع كذا وكذا؟ فأعرض عنه، فقام الثاني فقال مثل ذلك فأعرض عنه، وقام الثالث فقال مثل ما قال صاحباه فأعرض عنه، وقام الرابع فقال مثل ما قالوا، فأقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والغضب يبصر في وجهه، فقال: (ما تريدون من عليّ؟ إن عليًا مني وأنا منه، وهو وليّ كل مؤمن بعدي) اهـ.

قبل الكلام عن إسناد الحديث نقول: إن حديث عمران بن حصين هذا وحديث بريدة الآتي يتعلّقان بقصة خطبة غدير خم، ويبيّنان السبب الحقيقي لتلك الخطبة، وثناء النبي صلى الله عليه وسلم فيها على عليّ رضي الله عنه وأهل البيت.

فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا رضي الله عنه إلى اليمن قبل حجة الوداع، ثم قدم عليّ فوافي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج بمكة، وحينها اشتكى منه من كان معه بأرض اليمن بسبب بعض ما صدر منه رضي الله عنه، وعابوا عليه واتهموه بالجور والبخل، والصواب كان معه في ذلك، فلما تفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيان المناسك ورجع إلى المدينة بيّنَ فضل عليّ رضي الله عنه وبراءة عرضه مما اتهم به، في خطبة بمكان بين مكة والمدينة قريب من الجحفة يُقال له غدير خم، وليس في حجة الوداع كما يزعمه الجهلاء (1) . وقد ذكرنا ذلك وبيناه أيضًا في الرد على المراجعة (8) من كتابنا هذا وسيأتي أيضًا -إن شاء الله- تعالى في الكلام على ما جاء في (المراجعة:54) .

وهذا الموسوي -لجهله- قد أقرّ- بإيراده هذين الحديثين- بما قلناه من أن سبب خطبة الغدير هو ما قيل في عليّ رضي الله عنه من السوء ممن كان معه بأرض اليمن، لكن هذه الأحاديث -كغيرها من أحاديث فضائل عليّ رضي الله عنه- تعرضت للزيادة والتحريف والتغيير من قبل هؤلاء الشيعة غير الأمناء؛ إذ هذا دأبهم، لا يكفيهم الحق الواقع حتى يلحقوا به من الباطل ما يشوهه ويضعه في جانب الغلوّ المذموم، من أجل هذا حكم علماء الحديث والآثار بعدم قبول روايتهم في فضائل عليّ رضي الله عنه، حتى من ثقاتهم، خصوصًا إذا كان عندهم غلو في ذلك، لما قدمنا من دأبهم في الزيادة والتحريف، أو على الأقل التغاضي عن التثّبت في مثلها، وهم في هذا الأمر مع سائر أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية وغيرهم سواء، انظر الرد على المراجعة (12) من كتابنا هذا، وسنرى في حديثي عمران بن حصين وبريدة أمثلة من زيادات الشيعة في تلك الأحاديث، مبتدئين بحديث عمران بن حصين هذا:

فقد أخرجه الإمام أحمد (4/437-438) ، والترمذي (4/325-326) ، والحاكم (3/110-111) ، والنسائي في (خصائص عليّ) (ص:45) ، وابن أبي شيبة (12/79) من طريق جعفر بن سليمان الضبعي، عن يزيد الرشك، عن مطرف بن عبد الله، عن عمران بن حصين. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ولم يوافقه الذهبي ولم يعقب عليه بشيء، بخلاف ما زعم هذا الموسوي المفتري في الهامش (2/172) ، وأصل هذه القصة صحيح ثابت، ولكن هذا اللفظ من حديث عمران بن حصين فيه ما ينكره وما يُستغرب ويمنع الاحتجاج به، مع أن رجاله رجال مسلم.

فقوله: (وهو ولي كل مؤمن) صحيح ثابت، وسنبيّن -إن شاء الله- معناه الصحيح في المراجعة القادمة، لكن النكارة والغرابة التي فيه هي الزيادة بعده، ألا وهي: (وهو وليّ كل مؤمن بعدي) فلفظ (بعدي) غير محفوظ، ولا صحيح قابل للاحتجاج به، فقد تفرّد بها جعفر بن سليمان الضبعي، وهو وإن كان صدوقًا إلا أنه شيعي، فلا يحتج به في مثل هذا الحديث لما فيه مما يقوي بدعته، وقد تقرر في (المصطلح) أن المبتدع إذا روى شيئًا يقوي به بدعته فهو مردود قطعًا، انظر الرد على المراجعة (12) من كتابنا هذا.

وقد نقل الحافظ في ترجمة جعفر هذا من التهذيب عن الإمام أحمد أنه قال عنه: (إنما كان يتشيّع، وكان يحدّث بأحاديث في فضل عليّ، وأهل البصرة يغلون في عليّ) اهـ. من أجل كل هذا قد استغرب الترمذي- على تساهله- هذا الحديث، وأشار إلى علته بقوله: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان) اهـ. وقد عدّ الذهبي في ترجمة جعفر من (الميزان) هذا الحديث من جملة ما ينكر عليه، وهوما يبين كذب هذا الموسوي بادعائه تسليم الذهبي بصحته على شرط مسلم.

(1) انظر (سيرة ابن هشام) (4/249-250) ، (تاريخ الطبري) (3/148-149) ، البداية والنهاية (5/208-209) ، وغيرها من كتب السيرة والتاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت