فهرس الكتاب
وسنبين في حديث بريدة الآتي أن أحدًا لم يتابع جعفرًا هذا في هذه الزيادة مطلقًا، سوى أجلح الكندي راوي حديث بريدة، وهوشيعي أيضًا مثل جعفر، مع ما فيه من ضعف يمنع من الاحتجاج به، فصح يقينًا أن هذه الزيادة، وهي قوله: (بعدي) لم تروَ ِإلاّ من طريق شيعيين لا يوثق بخبرهما في مثل هذا، مع مخالفتهما لجميع من روى هذه القصة بدون هذه الزيادة.
حديث بريدة رضي الله عنه قال: (بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعثين إلى اليمن، على أحدهما عليّ إبن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال: إذا التقيتم فعليّ على الناس، وإن افترقتما فكل واحد منكما على جنده، قال: فلقينا بني زيد من أهل اليمن، فاقتتلنا فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، فاصطفى عليّ امرأةً من السبي لنفسه، قال بريدة: فكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم يخبره بذلك، فلما أتيت النبي صلى الله عليه وسلم دفعت الكتاب، فقرئ عليه فرأيت الغضب في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! هذا مكان العائذ، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه ففعلت ما أرسلت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقع في عليّ، فإنه مني وأنا منه، وهو وليّكم بعدي، وإنه مني وأنا منه، وهو وليّكم بعدي) اهـ. أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد (5/356) ، والبزار باختصار (1) ، من طريق الأجلح الكندي، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة. وعلّته الأجلح هذا فهو شيعي أيضًا مثل جعفر، فلا يؤمن تفردهما في مثل هذا، - ونعني بتفردهما من بين من يقبل خبرهم، أما المتروكون أو المجاهيل أو الضعفاء فلا عبرة بمتابعتهم لهما في هذه الزيادة، مثل أبي بلج في حديث ابن عباس السابق، فإنه ساقط بنفسه كما تقدم- مع ما عند الأجلح من ضعف بسيط، ونقل الحافظ في ترجمته من التهذيب عن الإمام أحمد أنه قال عنه: (قد روى الأجلح غير حديث منكر) اهـ. قلت: والنكارة هنا هي زيادة قوله: (بعدي) كما قدمنا، وهذا الكلام ينطبق أيضًا علىرواية النسائي في (خصائصه) التي أشار إليها هذا الموسوي، وقد استنكر هذه اللفظة أيضًا وردها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (7/343) فقال: (هذه اللفظة منكرة، والأجلح شيعي ومثله لا يُقبل إذا تفرّد بمثلها، وقد تابعه فيها من هو أضعف منه، والله أعلم) اهـ. قلت: كأنه يشير إلى رواية أبي بلج لحديث ابن عباس المتقدم. وكذا ردّ هذه اللفظة واستنكرها لنفس السبب المباركفوري في (شرح الترمذي) (4/325-326) .
ويؤيده مجيء هذه القصة من غير طريق هذين الشيعيّين- جعفر والأجلح- لكن بدون هذه اللفظ المنكر: (وهو ولي كل مؤمن بعدي) أو نحوها، من ذلك نفس الطريق الذي أشار إليه هذا الموسوي في الهامش (4/173) عند الإمام أحمد (5/347) ، والحاكم (3/110) . ومنها أيضًا عن وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة عن أبيه عند الإمام أحمد (5/358) . ومنها أيضًا عن روح، عن علي بن سويد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، عند الإمام أحمد (5/359) ، والبخاري (5/207) . ومنها عن يحيى بن سعيد عن عبد الجليل، عن عبدالله بن بريدة عن أبيه، عند الإمام أحمد أيضًا (5/350-351) ، وغيرها، وليس في أي منها لفظة (بعدي) فهي منكرة مردودة، بل حكم عليها بالوضع شيخ الإسلام ابن تيمية في (المنهاج) (2) .
وعندي أن في الحديث موضع آخر فيه نكارة، ألا وهو قوله: (إذا التقيتم فعليّ على الناس، وإن افترقتما فكل واحد منكما على جنده..) فإن هذا مخالف لما ثبت في (صحيح البخاري) (5/206-207) من حديث البراء رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث عليًّا بعد ذلك مكانه، فقال: (مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب، ومن شاء فليقبل...) الحديث، فإن هذا صريح في أن عليًا رضي الله عنه إنما كان بديلًا لخالد بن الوليد رضي الله عنه، لا أميرًا عليه كما تدعيه رواية الأجلح الكندي التي نحن بصددها، وقطعًا أن رواية البخاري هي الأصح والأثبت وما عارضها منكر مردود عند أهل العلم.
وهذا الذي قلناه من رواية البخاري هو الذي اختاره ابن جرير الطبري في (تاريخه) (3/131-132) ، والذهبي في (تاريخ الإسلام) (جزء المغازي) (ص:690-691) ، وغيرهما. ورواية الأجلح الكندي هذه مخالفة أيضًا لباقي الروايات التي أشرنا إليها قبلًا في هذه المسألة أيضًا، وهذا كله مما يمنع الاحتجاج بها.
(1) مجمع الزوائد) (9/127-128) .
(2) انظر (مختصر المنهاج) (ص:311) .