الصفحة 160 من 366

وبعد أن بيّنا عدم صحة كون عليّ أميرًا على خالد بن الوليد -رضي الله عنهما- في تلك الغزوة، نعود إلى الكلام على ما شاغب به هذا الموسوي في الهامش (3/172) بقوله: (ما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آحدًا على عليّ مدة حياته، بل كانت له الإمرة علىغيره، وكان حامل لوائه في كل زحف بخلاف غيره) ، ثم ذكر قصة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وشأنهما في غزوة ذات السلاسل، ثم قال: (أما عليّ فلم يكن مأمورًا ولا تابعًا لغير النبي منذ بعث إلىأن قبض صلى الله عليه وآله وسلم) اهـ. فنقول: هذا ما يتمناه هذا الموسوي وأصحابه وما يطلبونه ويتوسلون إليه بوسائل غير مشروعة من الكذب والإفتراء والتزييف، مثل ادّعاء هذا الموسوي هنا وأبى الله إلاّ أن يظهر الحق ويزهق الباطل، ويختار ما يحبه ويرضاه مما يخالف أهواء هؤلاء الشيعة الرافضة كما سنبينه إن شاء الله مع بيان كذب هذا الموسوي بقوله هذا.

لكن قبل ذلك نقف وقفة قصيرة عند قضية اختيار أمراء السرايا والبعوث التي كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبعثها، فمن طالع كتب المغازي وكتب السيرة وجد أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يكن يراعي في أمير الجيش أو السرية أفضليته على من معه في دين الله، أو أسبقيته للإسلام، أو أحبه إليه صلى الله عليه وسلم، بل كان يراعي علمه بفنون القتال وقيادة الجيوش -فحسب- وقدرته على المناورة بمن معه من الجيش أوالسرية، هذا في الأصل، وقد تضاف إليه اعتبارات أخرى مثل توفر دواعٍ على القتال والخروج بذلك الجيش عند ذلك الشخص أكثر من غيره، كطلب ثأر أو قرابة نسب، أو غير ذلك مما يتضح لمن تفهم سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، من ذلك تأميره صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد رضي الله عنه في الجيش الذي أعدّه لغزو الروم، وذلك أن الروم كانوا قد قتلوا أباه في غزوة مؤتة، فكان في هذا دافعًا إضافيًا عند أسامة رضي الله عنه امتاز به عن غيره، وقال له: (سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد ولّيتك هذا الجيش) انظر (مغازي الواقدي) (3/117-119) ، (المغازي) للذهبي (ص:713) . ومن ذلك أيضًا تأمير عمرو بن العاص رضي الله عنه في غزوة ذات السلاسل إلى مشارف الشام في بلي- وهي بطن في قضاعة- ومن يليهم من قضاعة، وهم أخوال العاص بن وائل- والد عمرو- فأمّره النبي صلى الله عليه وسلم يتألفهم بذلك، فإن أم العاص بن وائل كانت من بلي، فهم إذًا أخوال أبي عمرو بن العاص. هذا ما قررته كتب السيرة والمغازي، مثل (المغازي) لعروة (ص:207) ، (سيرة ابن هشام) (4/239) (المغازي) للذهبي (ص:513-514) وغيرها، مع ما عند عمرو بن العاص رضي الله عنه من العلم بفنون الحرب. وهو ما صرحت به رواية الحاكم (3/42-43) التي أشار إليها في الهامش (3/172) ، ولهذا السبب استعمل أبو بكر رضي الله عنه بعد ذلك عمرو بن العاص على غزو الشام، كما قرره الذهبي في (المغازي) (ص:515) .

وقد ظن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن صلّى الله عليه وسلّم ما استعمله على ذلك الجيش، وفيه أبو بكر وعمر وجماعة من المهاجرين رضي الله عنهم، إلاّ لأفضليته عليهم، أو لمنزلة له عند النبي صلى الله عليه وسلم، فردّه النبي صلى الله عليه وسلم وبيّن له الحق، وذلك فيما ساقه الذهبي في (المغازي) (ص:514-515) عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش ذي السلاسل، وفي القوم أبو بكر وعمر، فحدثت نفسي أنه لم يبعثني عليها إلاّ لمنزلة لي عنده، فأتيته حتى قعدت بين يديه فقلت: يا رسول الله! من أحبّ الناس إليك؟ قال:(عائشة) قلت: إني لم أسألك عن أهلك، قال: (فأبوها) قلت: ثم من؟ قال: (عمر) قلت: ثم من؟ حتى عدّ رهطًا، قال: قلت في نفسي: لا أعود أسأل عن هذا) قلت: وهو عند البخاري (5/6، 209-210) ، ومسلم (4/1856) مختصرًا.

هذا هو السبب في تأمير عمرو بن العاص على أبي بكر وعمر رضي الله عنهم- مع ما في الحديث من فضيلة عظيمة للصدّيق وابنته-و مثله ما ذكرنا من تأمير أسامة بن زيد عليهما أيضًا، وإن كان هو باطلًا بالنسبة لأبي بكر كما سيأتي في الرد على المراجعة (90) ، ولا ثالث لهاتين الغزوتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت