فهرس الكتاب
وأما ما زعمه هذا الموسوي من أن عليًا لم يكن مأمورًا لغير النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى فرض صحته لا يمكن أن يستدل به على الأفضلية، بل لم يختص هو بها، فخالد بن الوليد رضي الله عنه لم يخرجه النبي صلى الله عليه وسلم تابعًا لغيره في أية غزوة سوى كونه تابعًا له صلى الله عليه وسلم، مع أن كثيرًا من الصحابة أفضل منه وأحبّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل مع ما صدر منه رضي الله عنه من أخطاء أنكرها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ منها، لكنه لم يعزله أبدًا وأبقاه أميرًا على السرايا التي بعثه فيها (1) ؛ فبان بهذا أنه لا دليل فيه على الأفضلية أبدًا، على فرض صحته، كيف وهو كذب لا يخفى على من اطّلع على سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم! فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه على الموسم ليحجّ بالناس في أواخر ذي القعدة من سنة تسع للهجرة، وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث والتفسير والسيرة، لكن المقصود والمهم هنا أن سورة براءة نزلت بعد خروج أبي بكر رضي الله عنه- لا قبل خروجه كما يزعمه الجهلة الضّلال، وسنفصله بعد إن شاء الله- فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم بها عليًّا ليلحق بأبي بكر حتى يؤذن بها في الموسم، حتى أدرك أبا بكر بالطريق، فلما رآه أبو بكر قال له: (أمير أو مأمور) قال: (لا، بل مأمور) ، أخرجه ابن إسحاق في (السيرة) (2) عن محمد الباقر نفسه، ومن طريقه رواها ابن جرير في (التفسير) (10/41) . فليسمع أصحاب هذا الموسوي ولا يصمّوا آذانهم عن هذا الحق الواقع، وها هو محمد الباقر نفسه يروي قول عليّ لأبي بكر رضي الله عنهما: (بل مأمور) مما يبين كذب هذا الموسوي بقوله: (أما عليّ فلم يكن مأمورًا ولا تابعًا لغير النبي) فإما نكذبه أو نكذب إمامه الباقر هذا!
وقد نقل هذه الرواية أيضًا الذهبي في (المغازي) (ص:664-665) ، وروى نحوها النسائي (5/247) عن جابر رضي الله عنه في هذه القصة، وفيها قال أبو بكر لعليّ: (أمير أم رسول؟ قال: لا، بل رسول) ، ورجال إسناده ثقات. وروى نحوها ابن سعد في (الطبقات) (2/168) ، والطبري في (تاريخه) (3/122-123) . فهاهو أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه يأمره النبي صلى الله عليه وسلّم على إقامة المناسك التي ليس في مسائل العبادات أشمل منها، ويجعل عليًا مأمورًا له وتابعًا له واجب عليه طاعته، رغم أنف هذا الموسوي وأصحابه، فهذا التأمير نعم فيه الفضيلة كل الفضيلة؛ لأنه تأمير على شعائر الإسلام، ومثله تقديمه صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصّدّيق للصلاة بأمته مع حضور أصحابه ما غاب منهم أحد، وبضمنهم عليّ رضي الله عنه، بل قد أصرّ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر دون غيره، كما هو مشهور ومتواتر يقر به حتى هؤلاء الشيعة والرافضة الضّلاّل، فلم يستطيعوا تحريفه وتغييره لتواتره وثبوته، فهو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، فقدمه صلى الله عليه وسلم في الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام العملية، ولا يخفى فضل الصلاة على الجهاد، وما بينهما من بون شاسع إلاّ على من أعمى الله قلبه.
ثم إن تقديمه صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في الصلاة دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم؛ لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- واللفظ لمسلم (673) -: (يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم إسلامًا) وقد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصّديق رضي الله عنه وأرضاه.
(1) انظر قصته مع بني جذيمة في (مسند الإمام أحمد) (2/151) ، والبخاري (5/203) ، (تاريخ الطبري) (3/67) ، (طبقات ابن سعد) (2/248) .
(2) انظر (سيرة ابن هشام) (4/190) .