وهذا الحديث ذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة (1/355) وعزاه للحاكم، وتبعه ابن عراق الكناني في (التنزيه) (1/385) ولم أتمكن من معرفة موضعه من (المستدرك) ، لكن قد استغنينا عنه بحمد الله إذ ساق إسناده السيوطي وهو من طريق محمد بن أحمد بن سعيد الرازي، ثنا ابن وارة، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا أبو عمر الأزدي، عن أبي راشد الحبراني، عن أبي الحمراء. قال بن كثير: (وهذا منكر جدًا ولا يصح إسناده) ، كما في البداية والنهاية (7/356) قلت: وهو موضوع، محمد ابن أحمد بن سعيد الرازي اتهمه الذهبي فقال في (الميزان) : (لا أعرفه، لكن أتى بخبر باطل هو آفته) . ثم ذكر خبرًا موقوفًا على عليّ. وأبو عمر الأزدي هذا متروك، كما في (تنزيه الشريعة) (1/385) وعبيد الله بن موسى الراوي عنه وإن كان ثقة في نفسه لكنه شيعي، فلا يؤمن في مثل هذا الحديث، وقد مر قريبًا في الحديث (31) . وحديث ابن عباس الذي أشار إليه هذا الرافضي عبد الحسين في الهامش (31/194) عند ابن بطة قد ساق إسناده الحافظ الذهبي في (الميزان) (4/99) (1) من طريق أبي ذر أحمد بن الباغندي، أخبرنا أبي، عن مسعر بن يحيى النهدي، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن ابن عباس، وهو أوهى من سابقه، فيه أربع علل:
الأولى: أبو إسحاق هذا هو السبيعي، وهو معروف، واسمه عمرو بن عبد الله، ولكن أباه عبد الله هذا الراوي عن ابن عباس في هذا الإسناد نكرة لا يُعرف، ولم أجد أحدًا ترجمه.
الثانية: شريك القاضي ثقة في نفسه لكنه سيء الحفظ جدًا، مع تغيره في كبره.
الثالثة: مسعر بن يحيى النهدي، مجهول لا يُعرف أيضًا كما قال الذهبي، وقال عن حديثه: هذا خبر منكر.
الرابعة: الراوي عن مسعر، وهو محمد بن محمد بن سليمان أبو بكر الباغندي، صدوق لكنه خبيث التدليس، كما قال ابن عدي، وقال الدارقطني: (مخلط مدلس، يكتب عن بعض أصحابه، ثم يسقط بينه وبين شيخه ثلاثة، وهو كثير الخطأ رحمه الله تعالى) .
وبكل ما سبق يتبين أن هذا الحديث لا يصح، بل هو باطل ومنكر، وقد كذبه شيخ الإسلام ابن تيمية في (المنهاج) (3/128) وابن الجوزي في (الموضوعات) (1/370) ، وتقدم رد الحافظَين الذهبي وابن كثير للحديث وحكمهما عليه بالنكارة.
وأما ما زعمه في الهامش (31/194) من تصريح الإمام الرازي في تفسيره الكبير بقبول هذا الحديث عند الموافق والمخالف، وإرساله ذلك إرسال المسلمات، فكذب عليه وبهتان مبين، ذلك أن الرازي قد ذكر في تفسيره هذه الآية: (( ... فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ... ) ) [آل عمران:61] - وهي آية المباهلة- عدة مسائل منها مسألة في استدلال الرافضة بهذه الآية على أفضلية عليّ على سائر الأنبياء ما خلا محمدًا صلّى الله عليه وسلّم، فقال الرازي (8/81) : (كان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي، وكان معلم الإثني عشرية، وكان يزعم أن عليًا رضي الله عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد عليه السلام...) ثم نقل الرازي قول هذا الرافضي فقال: (... ثم قال- أي الرافضي-: ويؤيد الاستدلال بهذه الآية الحديث المقبول عند الموافق والمخالف، وهو قوله عليه السلام: من أراد أن يرى آدم في علمه...) اهـ. قلت: فهو إذًا ليس من قول الرازي بل من قول هذا الرافضي الدجال محمود بن الحسن الحمصي. فانظر إلى صنائع هؤلاء الرافضة الدجالين في الكذب والغش والتدليس، الذي من كثرته عندهم أمكننا جمع ثلاثة من رؤوسهم وأئمتهم في هذه الفقرة البسيطة قد امتهنوا الكذب والدجل، وهم ابن أبي الحديد في زعمه وجود هذا الحديث في مسند الإمام أحمد، وعبد الحسين صاحب المراجعات هذا، ومحمود بن الحسن الحمصي الذي ذكره وضلاله المبين الرازي في تفسيره، والله المستعان على ما يصفون.
وحتى لا تبقى أية حجة في هذا الحديث للرافضة هؤلاء نذكر طريقين آخرين له، ذكرهما السيوطي في (اللآلئ) (1/355-356) وعنه نقلهما ابن عراق الكناني في (التنزيه) (1/385) : أحدهما من حديث أبي الحمراء أيضًا عند الديلمي بإسناد رجاله لا يعرفون، وليس لهم ذكر في التراجم، إلى عبيد الله بن موسى، ثنا العلاء، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي داود مقنع -كذا هو، والصواب: نفيع، والله أعلم- عن أبي الحمراء. وهو باطل أيضًا، فأبو داود مقنع هذا لا يُعرف وليس له ذكر أبدًا، وأظن الصواب أنه نفيع بن الحارث أبو داود الأعمى، فإن هذا له رواية عن أبي الحمراء وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، كما في ترجمته من التهذيب، وهو الأمر الحاصل هنا تمامًا، فإن كان هو فإنه متروك، وقد كذبه ابن معين والساجي، انظر ترجمته ضمن الرواة المئة (رقم 88) . وإلاّ فهو آخر مجهول لا يُعرف، هذا بالإضافة إلى من أشرنا إليهم من المجاهيل.
(1) وهو في (تنزيه الشّريعة) (1/358) كذلك.