الصفحة 196 من 366

والطريق الأخرى من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عند ابن شاهين في (السنة) ، وهو موضوع أيضًا، فإنه من رواية أبي هارون العبدي عن أبي سعيد. وأبو هارون هذا اسمه عمارة بن جوين، وهو كذّاب، كذبه حماد بن زيد والجوزجاني، وقال صالح بن محمد أبو عليّ: أكذب من فرعون. وقال شعبة: لئن أقدّم فتضرب عنقي أحب إليّ من أن أحدث عنه. وقال النسائي وغيره: متروك.

وآخر ما عندنا في هذا الحديث هو التنبيه على ما ختم به هذا الرافضي عبد الحسين هامشه بقوله: (وممن اعترف بأن عليًّا هو الجامع لأسرار الأنبياء أجمعين شيخ العرفاء محي الدين بن عربي، فيما نقله عنه العارف الشعراني في المبحث(32) من كتاب (اليواقيت والجواهر) (ص:172 ) ) اهـ.

قلت: هذه إشارة منه إلى بعض ما عند محي الدين ابن عربي هذا من الضلالات التي ملأ بها كتبه مثل (فصوص الحكم) و (الفتوحات المكية) ، والتي وافقت هوى هذا الرافضي عبد الحسين وضلاله، فإن ابن عربي هذا كان يقول: إن الأولياء أفضل من الأنبياء، وإن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء، ولأن عليًّا ليس نبيًّا بل هو وليّ، فكان أفضل من الأنبياء، واحتج بهذا الحديث على مطلوبه الفاسد الضال هذا، فوافق ذلك ما يقوله غلاة الروافض من أفضلية عليّ على سائر الأنبياء، كما نقله الرازي -قريبًا- عن محمود بن الحسن الحمصي، بل ذهبوا إلى أفضلية عليّ حتى على محمد صلّى الله عليه وسلّم، كما نقلناه عنهم بما لا يدع ريبة في ذلك من كتبهم الأصول في الرد على المراجعة (36) فراجعه، وهؤلاء كلهم إخوان الضلالة، إخوان الشياطين، يحتج بعضهم بكلام بعض، ويزيّن بعضهم لبعض ضلالهم وكفرهم، وصدق الله العظيم إذ يقول: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) ) [الأنعام:112] ثم بين من هم الذين يستمعون لهم ويستجيبون فقال: (( وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ) ) [الأنعام:113] .

ومن قول ابن عربي هذا أيضًا أن جميع الأنبياء يستفيدون معرفة الله من مشكاة خاتم الأولياء، يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يأتي خاتم الأنبياء، وهو يعني بخاتم الأولياء هذا نفسه -ابن عربي- انظر لأقواله هذه (الفتوحات المكية) (2/252) و (فصوص الحكم) (1/63) وقد فصل الرد عليه وأمثاله شيخ الإسلام بان تيمية بكلام متين كما هو معهود عليه، انظر (مجموع الفتاوى) (التصرف) (11/363-372) ، ومما بيّنه هناك أن أفضل أولياء الله من هذه الأمة هو أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، ومن بعده عمر الفاروق (1) .

31-حديث علي رضي الله عنه قال: دعاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: (يا عليّ! إن فيك من عيسى مثلًا أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليس بها) ، وقال عليّ: ألا إنه يهلك فيّ محبّ مطرئ يفرطني بما ليس فيّ، ومبغض مفترٍ يحمله شنآني على أن يبهتني، ألا وإني لست بنبي ولا يوحى إليّ، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبييّه صلّى الله عليه وسلّم ما استطعت، فما أمرتكم به من طاعة الله فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم أو كرهتم، وما أمرتكم بمعصية أنا وغيري فلا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف اهـ. أخرجه الحاكم (3/123) ، وعبد الله بن أحمد في (زوائد المسند) (1/160) ، وأبو يعلى (1/156) ، وابن أبي عاصم في (السنة) (1004) ، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) (1/162) ، كلهم من طريق الحكم بن عبد الملك، عن الحارث بن حصيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ- يقال ناجد- عن عليّ. وهذا إسناده ضعيف، فيه علل:

1-الحكم بن عبد الملك ضعيف كما في التقريب، وقد ضعفه غير واحد، وبه أعل الحديث الذهبي فرده على تصحيح الحاكم فقال: (الحكم وهّاه ابن معين) ، وكذا أعله به الهيثمي في (المجمع) (9/123) ، والألباني في (تخريج كتاب السنة) (987) .

2-الحارث بن حصيرة فيه كلام يمنع من الاحتجاج بحديثه إذا انفرد، خصوصًا في مثل فضائل عليّ، قال الحافظ في التقريب: (صدوق يخطئ ورمي بالرفض) ، وقد تقدم حاله ضمن الرواة المئة (رقم 18) .

3-ربيعة بن ناجد- أو ناجذ- هذا مجهول كما فصلنا حاله أثناء الرد على المراجعة (12) ، قال الذهبي: لا يكاد يُعرف.

وقد تابع الحكم بن عبد الملك في رواية هذا الحديث عن الحارث بن حصيرة بإسناده محمد بن كثير القرشي الكوفي عند البزار بلفظ مختصر (2) ، لكن محمدًا هذا ليس أحسن حالًا من الحكم، قال البخاري: منكر الحديث. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف. وكذا ضعفه الهيثمي في (المجمع) .

(1) وانظر ما سوى ذلك من رسائل شيخ الإسلام، مثل (الفرقان بين الحق والباطل) (ص:142-144) ، و (الحسنة والسيئة) (ص:116-117) وغير ذلك.

(2) مجمع الزوائد) (9/133) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت