الصفحة 198 من 366

وليس في صحة مثل هذه الأحاديث سوى إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عليًا بما سيحدث له وهو من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم - تطمينًا وبشارة له في عاقبته، وهو نظير إخبار النبي صلّى الله عليه وسلّم عثمان بن عفان رضي الله عنه بما سيحدث له من الفتنة والابتلاء والقتل وهو مظلوم وغدر من غدر به، بل أكثر من ذلك أمره النبي صلّى الله عليه وسلّم بعدم التخلي عن الخلافة وإمارة المؤمنين إذا ما طلب منه ذلك المنافقون، وأمره بالصبر عليها حتى يلقاه، وذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: (يا عثمان إن الله عسى أن يلبسك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني) وهو حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد (6/86، 114، 149) ، والترمذي (4/322) ، وابن ماجة (112) ، وابن حبّان (2196) ، وابن أبي عاصم (1172، 1173، 1174، 1178، 1179) من طرق عديدة. ومثله قوله رضي الله عنه: (إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عهد إليّ عهدًا وأنا صابر عليه) ، أخرجه الإمام أحمد (1/58، 69) ، والترمذي (4/324) ، وابن ماجة (113) ، والحاكم (3/99) ، وابن حبّان (2297) ، وابن سعد (3/66) ، وابن أبي عاصم (1175، 1176) من طرق عنه رضي الله عنه.

وقول ابن عباس الذي ساقه بعد ذلك، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعليّ: (إما إنك ستلقى بعدي جهدًا، قال: في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك) (1) لا يدل على أكثر مما قلناه كما لا يخفى، وفيه دليل على بقاء عليّ رضي الله عنه على الاستقامة والسلامة في الدين، وهو مذهب أهل السنة، وبه يردون على الخوارج طعنهم بعليّ وادّعاءهم كفره وضلاله بعد قبّحهم الله، وهو يشبه تمامًا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في حق عثمان رضي الله عنه- لما ذكر الفتن وقربها-: (هذا يومئذ على الهدى) وهو حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد (4/235، 236) (5/33، 35) ، والترمذي (4/322) ، والحاكم (3/102) عن مرة بن كعب. ورواه أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما الإمام أحمد (2/115) ، والترمذي (4/323) ، وقال فيه صلّى الله عليه وسلّم عن عثمان: (يقتل فيها هذا مظلومًا) . وفي رواية قال عنه: (هذا يومئذ على الحق) أخرجه الإمام أحمد (4/242، 243) ، وابن ماجة (119) ، والطبراني في الكبير (19/144، 145) (359، 360، 362) ، وأبو يعلى (2) عن كعب بن عجرة رضي الله عنه، وانظر كتاب (السنة) لإبن أبي عاصم (1293، 1294، 1295، 1296، 1297) .

وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ذكر فتنة وختلافًا فقيل: من لنا يا رسول الله؟ قال: (عليكم بالأمين وأصحابه) وهو يشير بذلك إلى عثمان بن عفان، وأخرجه الإمام أحمد (2/345) ، قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (7/209) : (وإسناده جيد حسن) .

وكل هذا يبين أن ما حصل لعليّ رضي الله عنه في مثل تلك الأحاديث وإن كان فيه فضل له وبشارة، لكنه لم يختص به، بل حصل مثله أو أكثر منه لعثمان بن عفان رضي الله عنه كما قدمنا، وكذا لغيره من الصحابة مثل عمار وآخرين فبطل بذلك اختصاص عليّ بهذا، والحمد لله ربّ العالمين.

35-حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله) فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر، فقال: (لا، ولكنه خاصف النعل) - يعني عليًا) أخرجه الإمام أحمد (3/33، 82) ، والحاكم (3/122-123) ، ومن طريقه البيهقي في (دلائل النبوة) (6/435، 436) ، وأخرجه أيضًا أبو يعلى (3) ، وذكره أيضًا في (كنز العمال) (32967) ، ونحوه عند ابن أبي شيبة في (المصنف) (12/64) ، وفي (الكنز) (36351) . وهو حديث صحيح ثابت، وقد أشار إلى طرقه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (7/361) ، وفيه فضل لعليّ رضي الله عنه، وقد تقدم تخريجه والكلام على معناه ومدلوله في الرد على المراجعة (36) ، وبينا هناك أنه إشارة إلى قتاله رضي الله عنه الخوارج، فإنهم هم الذين يقال عنهم متأولون للقرآن، وهو مع هذا أقل فضلًا ومنزلةً من قتال أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه للمرتدين، فإنهم من جنس من قاتلهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على تنزيل القرآن، وراجع الكلام هناك أيضا على بطلان إطلاق اسم المرتد على من نازع عليًّا في الإمارة.

أما حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه المذكور بعد هذا، ولفظه: (أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّ بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين) فهو حديث ضعيف لا يثبت، كل طرقه واهية أو موضوعة كما يأتي:

(1) أخرجه الحاكم (3/140) .

(2) البداية والنهاية (7/210) .

(3) البداية والنهاية (7/360) ، (مجمع الزوائد) (5/186) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت