الصفحة 201 من 366

ومع كل هذه الطرق- الأربعة عشر- لهذا الحديث فإنه لا يصح ولا يثبت، وحتى لو صح فما فيه أكثر مما تقدم في حديث أبي سعيد الماضي في قتال الخوارج المتأولين للقرآن، والحمد لله ربّ العالمين.

وأما حديث عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (يا عليّ! ستقاتلك الفئة الباغية وأنت على الحق، فمن لم ينصرك يومئذ فليس مني) ، فقد ذكره في (كنز العمال) (32970) وعزاه لابن عساكر، ومنه نقله هذا الرافضي عبد الحسين دون معرفة إسناده ومخرجه، وهو الأمر الذي لا يلتفت إليه طالما أن الحديث يوافق هواه. وما دمنا لم نتمكن من معرفة إسناده فلا يصح عندنا هذا الحديث ولا يثبت، على أن هناك ما يبيّن ضعفه، وهو ما نقلناه في الرد على المراجعة (26) عن المتقي الهندي صاحب (الكنز) من مقدمة كتابه (1/10) باكتفائه في الحكم على الحديث بالضعف بعزوه إلى ابن عساكر أو آخرين ذكرهم هناك، وهذا الأمر المتحقق هنا بحمد الله، لكن طرف الحديث الأول صحيح ثابت في أحاديث أخرى، وهو دليل لمذهب أهل السنة في جعل الحق مع عليّ في حربه مع معاوية رضي الله عنهم أجمعين، واعتبار معاوية وأصحابه هم الباغين، لكن هذا لا يوجب فسقهم ولا كفرهم كما يزعمه هؤلاء الرافضة الضالون، وقد فصّلنا ذلك وبيّناه في الرد على المراجعة (22) .

ويبقى من الحديث طرفه الأخير: (فمن لم ينصرك يومئذ فليس مني) وهو الذي يتوقف فيه لعدم ثبوته ولا صحته كما قلنا: مع أنه ليس فيه دليل على كفر من نازع عليًّا وحاربه- وهو الذي يظن احتجاج الرافضة هؤلاء به- فقصارى ما فيه- إن ثبت- أن يكون مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح: (من غشنا فليس منا) رواه مسلم (1/99) وغيره. وقوله: (من حلف بالأمانة فليس منا) وهو صحيح رواه أبو داود (3253) ، وفي لفظ صحيح أيضًا (ليس منا من حلف بالأمانة) رواه الإمام أحمد (5/352) وغيره، وفي رواية عند الخطيب (14/35) : (ليس مني من حلف بالأمانة) وفيها فائدة بقوله (مني) حتى لا يتبجح أحدٌ بها في هذا الحديث.

ومثله أيضًا قوله صلّى الله عليه وسلّم: (ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن) رواه البخاري (9/188) ، وقوله: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حقّ كبيرنا) رواه الإمام أحمد (2/185) ، والترمذي (3/122) ، والحاكم (1/62) وغيرهم، وقوله: (ليس منا من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) رواه الإمام أحمد (1/386، 422، 465) ، والبخاري (2/103، 104) (4/223) ، ومسلم (1/99) وغيرهم، وأمثلة ذلك كثيرة جدًا ولله الحمد، فهل يسوّغ عاقل الحكم بالكفر على من فعل مثل هذه المنهيات، من شق الجيوب، وضرب الخدود، وعدم التغني بالقرآن وغيرها؟

ثم إن هذا الحديث نفسه قد رواه ابن عساكر أيضًا عن عمار بن ياسر قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: (ستقتلك الفئة الباغية وأنت على الحق، فمن لم ينصرك يومئذٍ فليس مني) ذكره في (كنز العمال) (31716) وهو من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمار نفسه لا لعليّ، ومع ذلك فشأنه شأن سابقه لا يختلف عنه بشيء.

ونحن يمكننا عكس هذا الحديث على الرافضة هؤلاء، ونحتج به عليهم في الاقتصار بنصرة عليّ في ذلك اليوم- يوم صفّين- فقط لا غيره كما تدّعيه الرافضة، فإن في الحديث تخصيص ذلك وتبيينه بقوله: (يومئذ) يعنى لا مطلقًا، فليعتبر ذلك ولينظر إليه بإنصاف وبترك التعصب، والله الهادي إلى صراطٍ مستقيم.

وحديث أبي ذر رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده إن فيكم لرجلًا يقاتل الناس من بعدي على تأويل القرآن، كما قاتلت المشركين على تنزيله، وهم يشهدون أن لا إله إلاّ الله) نقله هذا الرافضي عبد الحسين من (كنز العمال) (32969) وحذف منه عمدًا قوله: (وهم يشهدون أن لا إله إلاّ الله) ففيها الإقرار بإيمان من نازع عليًّا حتى وإن كان معتديًا عليه، وهو ما لا يرضى به- سفاهةً وحماقةً وضلالًا- هؤلاء الرافضة، فأقدم إمامهم هذا على حذفه وطمسه واقتطعه من الحديث، قطّع الله ذكره وأصحابه إلى يوم القيامة.

وهذا الحديث لا نعرف صحته ولا ثبوته ولا مخرجه، لكن قد تقدم الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في ذلك، وتقدم بيان معناه وانطباقه، فراجعه.

وحديث أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (يا أبا رافع! سيكون بعدي قوم يقاتلون عليًا، حقٌ على الله جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه، ليس وراء ذلك شيء) أخرجه الطبراني في الكبير (955) بإسنادٍ واهٍ جدًا، فيه محمد بن عبيد الله بن أبي رافع وهو ضعيف، قال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًا، ذاهب. وقد تركه الدارقطني. وفيه أيضًا يحيى بن الحسن بن فرات، وهو مجهول، وبهما أعلّ الحديث الهيثمي في (المجمع) (9/134) . وفي الإسناد أيضًا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وهو متكلم فيه ومطعون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت