ومن الأمور المنكرة أيضًا عقيدة البداء، وهي أن الله يحصل له البداء، أي: النسيان والجهل، تعالى الله عمّا يقولون علوًّا كبيرًا! فها هو الكليني يعقد بابًا مستقلًا في كتاب التوحيد من كتابه الكافي في الأصول (1/148) بعنوان: باب البداء وروى فيه بإسناده عن الريان بن الصلت قال: سمعت الرضا يقول: (ما بعثَ الله نبيًّا قط إلاّ بتحريم الخمر وأن يقرّ لله بالبداء) وحتى لا نكون متجنين عليهم في معنى البداء نورد رواية أخرى تبين المراد منه، وهي ما رواه في كتاب الحجة من الكافي (1/327) عن أبي هاشم الجعفري قال: (كنت عند أبي الحسن عليه السّلام بعد ما مضى ابنه أبو جعفر، وإني لأفكر في نفسي أريد أن أقول: كأنهما -أعني أبا جعفر وأبا محمّد- في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل بن جعفر بن محمّد، وإنّ قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمّد المرجأ بعد أبي جعفر، فأقبل عليّ أبو الحسن عليه السّلام قبل أن أنطلق فقال: نعم يا أبا هاشم، بدا لله في أبي محمّد بعد أبي جعفر ما لم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضيّ إسماعيل ما كشف به عن حاله، وهو كما حدّثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمّد ابني الخلف من بعدي وعنده علم ما يحتاج إليه ومعه آلة الإمامة) اهـ.
قلت: فأين هذا من قوله تعالى على لسان موسى عليه السّلام: (( لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى ) ) [طه:52] ومن قوله: (( قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ) ) [الطلاق:12] وقوله: (( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) ) [الأنعام:73] .
وليس هذا فحسب بل في كتاب الكافي أيضًا ما يمجّد من يعتقد بهذه العقيدة حتى وإن كان من أهل الشرك؛ فقد روى في كتاب الحجة (1/283) (الهند) عن جعفر أنه قال: (يُبعَثُ عبد المطلب أمّة وحده عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء؛ وذلك أنه أول من قال بالبداء) .
ومن المنكرات التي في الكافي أيضًا: الغلوّ في الأئمة، مثل الباب الذي عقده بعنوان: (إن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلاّ باختيار منهم) ، وروى في كتاب الحجّة (1) عن أبي بصير عن جعفر بن الباقر أنه قال: (أي إمام لا يعلم ما يغيبه وإلى ما يصير فليس ذلك بحجّة الله على خلقه) قلت: ومعنى ما يغيبه أي علم ما يغيب عنه، وهو ادّعاء صريح لعلم الغيب كما هو واضح.
وروى في (1/196-197) عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله قال: (كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيرًا ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار... ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقرّوا لمحمّد صَلّى الله عليه وآله، ولقد أعطيت خصالًا ما سبقني إليها أحدٌ من قبلي؛ علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب؛ فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب عني) اهـ.
بل يجعل ذلك عامًا لكل أئمتهم، فيروي الكليني هذا (1/223) عن عبد الله بن جندب أنه كتب إليه عليّ بن موسى: (أما بعد: فنحن أمناء الله في أرضه، عندنا علم البلايا والمنايا، وأنساب العرب ومولد الإسلام، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق، وإن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق) ، وروى أيضًا في باب: إن الأئمة يعلمون علم ما كان وإنه لا يخفى عليهم شيء (1/261) عن أبي عبد الله أنه قال: (إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة وما في النار، وأعلم ما كان وما يكون) .
وروى الكليني أيضًا (1/193) عن عبد الرحمن بن كثير عن جعفر بن الباقر أنه قال: (نحن ولاة أمر الله، وخزنة علم الله، وعيبة وحي الله) .
وروى أيضًا (1/409) تحت باب: إن الأرض كلها للإمام، عن أبي عبد الله أنه قال: (إن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء) .
هذا هو غلوّ الكليني في الأئمة، وهذه هي بعض الأمور المنكرة في كتابه ذلك، والتي لا يسع مسلمًا إلا إنكارها ولا يسع شيعيًا إنكار وجودها هناك، مضافًا إلى أمور أخرى آثرنا عدم نقلها خوفًا من الإطالة، وذلك مثل عقيدة الرّجعة والغلوّ الفاحش في الإمامة والوصاية وغير ذلك. أبعد هذا يرضى رجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يطمئن للكليني هذا وكتابه ويحتجّ به وفيه مثل هذه الكفريات؟ وإن كان هذا الموسوي أو غيره يدّعي صحّة كتاب الكليني هذا فما عساه يقول عن هذا الكفر الصريح الذي فيه؟!!
(2) كتاب الخصال:
(1) 1/285، إيران).