فهرس الكتاب
المراجعة (14) : ش:
زعمه بأن أهل السنة احتجّوا حتى بأهل الرفض- الغلاة- من الشعة، ومثّل على ذلك بشيوخ البخاري.
إدعاؤه بأن الشيعة إنما جروا على منهاج العترة في الصدق والأمانة.
زعمه امتيازهم بتغليظ حرمة الكذب في الحديث.
الردّ على المراجعة (14) :
نقض ادعائه احتجاج أهل السنة -ومنهم البخاري- بأهل الرفض من الشيعة، وتفصيل مسألة الاحتجاج بأهل البدع.
أئمة العترة أنفسهم يكذبون الشيعة في اتباعهم.
عدم امتيازهم بما ادّعى.
قال في (ص:76) : (وفي شيوخ البخاري رجال من الشيعة نبزوا بالرفض ووصموا بالبغض، فلم يقدح ذلك في عدالتهم عند البخاري وغيره حتى احتجّوا بهم في الصحاح بكل ارتياح) .
قلت: ههنا مسألتان مهمتان، أحدهما فرع من الأخرى: الأولى -وهي الأصل منهما-: هل تقبل رواية أهل البدع والأهواء، ومنهم الرافضة؟ والثانية -وهي الفرع من الأصل-: تحقيق صحة القول برواية البخاري عن بعض أهل الرفض والتشيّع واحتجاجه بهم. فنقول مبتدئين بالمسألة الأولى:
بعيدًا عن نقل واستقصاء الأقوال التي قيلت في هذه المسألة، والتي يراجعها من أرادها في مظانها في كتب علوم المصطلح في الحديث، فليس هذاموضع استقصائها -بعيدًا عن ذلك أقول: لا شك أن العبرة في قبول الرواية بصدق الراوي وأمانته والثقة بدينه، مع حفظه وضبطه، ومن نظر في أحوال الرواة يرى أن من أهل البدع من هو موضع للثقة ولقبول روايته، وأن منهم كثيرًا لا يوثق بهم ولا بخبرهم، قال الحافظ ابن حجر في (نزهة النظر) (ص:81) عن رواية أهل البدع: (فالمعتمد أن الذي تُردّ روايته من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة، وانضمّ إلى ذلك ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه؛ فلا مانع من قبوله) .
قلت: ويخصص من ذلك من كان داعية إلى بدعته، فإنّه لا يقبل خبره على الصحيح، وهو مذهب ابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحبى بن معين، فيماحكاه عنهم ابن رجب في (شرح علل الترمذي) (ص:64-65) قال: (ووري أيضًا عن مالك) قلت: وقد نسبه إلى مالك أيضًا الحاكم في (معرفة علوم الحديث) (ص:135) ، وهو القول الذي رجحه النووي في التقريب وقال: (وهو الأظهر الأعدل وقول الكثير والأكثر) ، ومال إليه الحافظ في (نزهة النظر) مع قيد آخر فقال: (والثاني: يقبل من لم يكن داعيةً في الأصح، إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المذهب المختار، وبه صرّح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود، والنسائي في كتابه معرفة الرجال، فقال في وصف الرواة: ومنهم زائغ عن الحق، أي: عن السنة، صادق اللهجة، فليس فيه حيلة إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكرًا إذا لم يقو به بدعته، والله أعلم) اهـ. قلت: ما نقله عن الجوزجاني هو مضمون كلامه، فهناك اختلاف يسير بين ما قاله وبين ما هو موجود في نص كتابه (ص:32) لا يضر ههنا. وهذا التحقيق هوالذي مال إليه ابن دقيق العيد في (الاقتراح) (ص:336) من التوقف في قبول رواية المبتدع فيما يقوي بدعته، إضافةً إلى عدم قبول رواية الداعي إلى بدعته. وهذا كله قاله العلماء فيمن كانت بدعته بدعةً صغرى من غير غلوّ فيها، قال الحافظ الذهبي في (الميزان) (1/5-6) بعد ذكره لتوثيق أبان بن تغلب الكوفي- وهو شيعي- عن أحمد وغيره:(فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحدّ الثقة العدالة والإتقان؟ فكيف يكون عدلًا من هو صاحب بدعة؟ وجوابه أن البدعة على ضربين: فبدعةٌ صغرى؛ كغلوّ التشيّع أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرّف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة، ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلوّ فيه، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتجّ بهم ولا كرامة.
وأيضًا فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلًا صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟! حاشا وكلا! فالشّيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية، وطائفة ممن حارب عليًا رضي الله عنه وتعرض لسبهم، والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضال معثر، ولم يكن ابن تغلب يعرض للشيخين أصلًا، بل قد يعتقد عليًا أفضل منهما)اهـ. قلت: وسيذكر المؤلف أبان بن تغلب هذا، فأردت التقديم لحاله نقلًا من (الميزان) .