الصفحة 95 من 366

والمقصود أن هذه هي الشروط التي وضعها أهل العلم بالحديث لقبول رواية أهل البدع وقد ذكرنا بعضًا من أولئك العلماء وأقوالهم، في ذلك، يضاف إليهم ما قال الحافظ ابن كثير في (اختصار علوم الحديث) (ص99-100) ، وراجع ما قاله العلامة أحمد محمّد شاكر رحمه الله في الهامش هناك، ففيه فوائد جمة. على أن هناك شيئًا آخر لا ينبغي لنا إغفاله هنا، وهو ما قاله الحافظ ابن رجب في (شرح العلل) (ص:65) : (على هذا المأخذ فقد يستثنى من اشتهر بالصدق والعلم، كما قال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثًا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطّان وأبا حسان الأعرج. وأما الرافضة فبالعكس، قال يزيد بن هارون: لا يكتب عن الرافضة فإنهم يكذبون. خرّجه ابن أبي حاتم) اهـ.

قلت: راجع قول يزيد بن هارون هذا في (الجرح والتعديل) (1/28) ، ومثل هذا الذي قاله ونقله ابن رجب قاله قبله شيخ الإسلام ابن تيمية في (الفرقان بين الحق والباطل) (ص:32) عن الرافضة، ولفظه: (ولهذا لا يوجد في فرق الأمة من الكذب أكثر مما يوجد فيهم، بخلاف الخوارج فإنّه لا يعرف فيهم من يكذب، والشيعة لا يكاد يوثق برواية أحدٍ منهم من شيوخهم لكثرة الكذب فيهم، ولهذا أعرض عنهم أهل الصحيح، فلا يروي البخاري ومسلم أحاديث عليّ إلا عن أهل بيته؛ كأولاده مثل الحسن والحسين، ومثل محمّد بن الحنفية، وكاتبه عبيد الله بن أبي رافع، أو أصحاب ابن مسعود، وغيرهم مثل عبيدة السلماني، والحارث التميمي، وقيس بن عباد وأمثالهم، إذ هؤلاء صادقون فيما يروونه عن عليّ، فلهذا أخرج أصحاب الصحيح حديثهم) اهـ.

قلت: وهذا واضحٌ بين في شأن الخوارج؛ فإنهم يقولون بتكفير أصحاب الذنوب الكبيرة مطلقًا، إذ كان المؤمن هو البر التقي، قالوا: فمن لم يكن برًّا تقيًا فهو كافر وهو مخلد في النار، فعندهم أن الكذب مكفّر وموجب للخلود في النار، لذا أمن أهل العلم حديثهم، وأخرجوه في الصحيح أيضًا، كما أخرج البخاري لعمران بن حطان الخارجي مادح عبد الرحمن بن ملجم قاتل عليّ، بخلاف الرافضة؛ فإن من أساس مذهبهم التقية وإخفاء الحقّ والتظاهر بسواه. روى ثقة إسلامهم الكليني في (الكافي في الأصول) (باب التقية) (2/222) (طبعة إيران) عن جعفر الصادق انه قال لأحد شيعته: (يا سليمان! إنكم على دين من كتمه أعزّه الله، ومن أذاعه أذله الله) ، فهذا يروونه -كذبًا- عن جعفر الصادق أنه يأمر بالنفاق والكذب، فكيف يؤمن بعد ذلك حديثهم؟ هذا مع أن هناك نصوصًا يروونها هم عن أئمة أهل البيت في ذم الشيعة أنفسهم، وبيان ما عندهم من الكذب والنفاق، منها ما رواه أبو عمر الكشي في (رجاله) (ص:254) (مؤسسة الأعلمي- كربلاء) بسنده عن الإمام الصادق قال: (ما أنزل الله سبحانه آية في المنافقين إلا وهي فيمن ينتحل التشيّع) ، وورى أيضًا (ص:253) عن الصادق أيضًا قوله: (لو قام قائمنا بدأ بكذّأبي شيعتنا فقتلهم) . وغير ذلك من نصوص كتبهم، مثل ما رواه الكليني في الكافي (8/228) (طهران) بسنده عن موسى بن بكر الواسطي قال: قال لي أبو الحسن عليه السّلام: (لو ميّزت شيعتي لم أجدهم إلا واضعة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدّين، ولو تمحّصتهم لما خلص من الألف واحد) ، ومعنى (واضعة) أي: يضعون الحديث ويكذبونه، فهذا حال عموم رواة الشيعة، بل الشيعة أنفسهم فيما بينه أئمة أهل السنة ممّن نقلنا قوله في ذلك وغيرهم، وهو ما وصفهم به أئمة أهل البيت أنفسهم برواية الشيعة ذاتهم، نقلناه من كتبهم لا غيرها، وبه يعلم بطلان قول هذا الموسوي في الفقرة (2) من (المراجعة-14-) (ص:76) ونصّه: (ولكن المعترضين لا يعلمون، ولو عرفوا الحقيقة لعلموا أن الشيعة إنما جروا على منهاج العترة الطاهرة...) إلى أن قال: (لا يُبارون في الحفظ والضبط والإتقان، ولا يُجارون في تمحيص الحقائق والبحث عنها بكل دقّة واعتدال...) إلى آخر كلامه الذي يكفي في ردّه -كما قلنا- نقول أئمتهم من كتبهم التي يعتمدونها مثل كتاب الكافي هذا وغيره، فما بال عليّ رضي الله عنه- فيما نقلناه من الكافي- يتهم شيعته بأنهم وضّاعين للحديث ومرتدّين؟ وما بال جعفر الصادق- فيما نقلناه من (رجال الكشي) - يحكم بالنفاق على من ينتحل التشيّع، ويذكر أن فيهم كذّابين؟ وليس قول هذا الموسوي- غير المدعوم بالأدلّة- بأولى من أقوال أئمته هؤلاء من كتبه التي يعتمدها طبعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت