الصفحة 96 من 366

ومع ذلك لم يردّ أهل الحديث رواية كل من عنده تشيّع، بل ساروا فيها وفق المنهج العلمي الذي بيناه في شأن رواية أهل البدع عمومًا، وما ردوا من ذلك سوى رواية الغالين منهم في الرفض، ومن أئمة أهل الحديث في ذلك الإمام البخاري رحمه الله، وهذا هو بيان المسألة الثانية التي أشرنا إليها وقلنا: إنها فرع من الأصل الأول، فالإمام البخاري لم يختلف منهجه في ذلك عن باقي أهل العلم بالحديث، لكن في عبارة الموسوي هذا تدليس قبيح عندما قال: (رجال من الشيعة نبزوا بالرفض ووصموا بالبغض) فهناك فرق بين من قيل: انه شيعي، أو عنده تشيّع، وبين من قيل: إنه رافضي، أو اتهم بالرفض، فالأول من أهل العدالة والقبول، وهم من أهل البدعة الصغرى التي أشار إليها الذهبي في (الميزان) ، وهم الذين روى لهم البخاري وغيره، واحتج بهم ضمن الضوابط التي ذكرناها، أما أهل الرفض فهم ممن قدح بهم لأجل ذلك، وهم أهل البدعة الكبرى فيما بينه الذهبي فيما نقلناه عنه، وهؤلاء ليس لهم رواية عند البخاري ولا عند من روى الصحيح، فهم الذين لا يحتجّ بهم ولا كرامة. فتسوية الموسوي بينهما تدليس سيء منه، ثم قوله: (ووصموا بالبغض) إن كان قصده بغضهم لأبي بكر وعمر وسائر الصحابة، فلا والله ليس عند البخاري وليس لهم ذكر في أي حديث صحيح عند أهل السنة، بل وجودهم في حديث دليل على ضعفه أو كذبه عند أهل الحديث.

وبعد هذا فنحن نقول لهذا الموسوي أو لمن ينوب عنه: إن كنتم تقولون ذلك عن البخاري وعن صحيحه وعن رواته، فلِمَ لا تحتجّون به ما دام هو يروي ويحتج بأناس منكم ثقات عندكم؟ ولم تتهمونه -رحمه الله- بأنه متعصّب ضد أهل البيت مبغض لهم مائل عن مذهبم؟ كما فعل هذا الموسوي في كتابه هذا (ص:148) حين اتهم الإمام البخاري تجاه عليّ وأهل البيت، وأنه ما أخرج أحاديث -يزعمونها هم- في فضل علي وأهل البيت إلا بسبب بغضه لهم، ولم يكتف بذلك، بل اتهم البخاري في سريرته، وهذا من أقبح الكذب! وهو ما لم يقله حتى رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم بأنه يعلم سريرة أحد من الخلق، فكيف تسنى لهذا الموسوي معرفة سريرة البخاري؟!

فكلامه هذا يناقض بعضه بعضًا، فمرةً يقول: إن البخاري احتجّ برجالهم، لا بل بالغلاة منهم ممن اتهم بالرفض والبغض لأبي بكر وعمر، ومرةً يقول: إنه مبغض لآل البيت وشيعتهم ولا يروي عنهم ولا يذكر فضائلهم، ولو كان البخاري كما قال هذا الموسوي ما روى لمثل هؤلاء الذين أشار إليهم، بل ما عقد بابًا في صحيحه (5/22-26) في مناقب عليّ وآخرين من أهل البيت وغيره، رضي الله عنهم أجمعين.

وقوله: (يتّهم ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني، وصدوق المسلمين محمّد بن علي بن بابويه القُمّي، وشيخ الأمة محمّد بن الحسن بن علي الطوسي، ويستخفّ بكتبهم المقدّسة، وهي مستودع علوم آل محمّد صَلّى الله عليه وآله وسلّم، ويرتاب في شيوخهم أبطال العلم وأبدال الأرض، الذين قصروا أعمارهم على النصح لله تعالى ولكتابه ولرسوله صَلّى الله عليه وآله وسلّم ولأئمة المسلمين وعامتهم) اهـ.

قلت: قد تقدم التعريف بهؤلاء الرجال وغيرهم من أئمتهم وبكتبهم في مقدمة كتابنا هذا؛ الأمر الذي يبين- بما نقلناه من نصوص كتبهم موثقًا بذكر مواضعها- أن هؤلاء أبعد الناس عن النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم، وأنهم قالوا في كتاب الله ما لم تستطعه اليهود ولا النصارى؛ من القول بنقصانه بل وتحريفه، وإنه فقد منه أضعاف ما هو عليه الآن، وإنه سيخرجه المهدي المزعوم بظنّهم حين خروجه، فلم أرَ أحدًا من النصارى ولا الملحدين يجرؤ على القول في كتاب الله بما قاله أئمة الشيعة هؤلاء؛ كالكليني، والبرقي، والعياشي، والطبرسي، والمجلسي، والحر العاملي، والسيد الجزائري، والسيد البحراني، وغيرهم ممّن نقله عنهم أحد علماء الشيعة، وهو السيد طيب الموسوي في (مقدمة تفسير القُمّي) (ص:23، 24) ، أو من الذين نقلنا قولهم في ذلك في المقدمة، مضافًا إلى أقوالهم الشنيعة الأخرى؛ كالقول بالبداء الذي فصلناه هناك، والطعن بالصحابة عمومًا وسبهم وتكفيرهم، والغلوّ في الأئمة وغير ذلك، وكله يدحض كلام هذا الموسوي من ثقتهم وأمانتهم ونصحهم، ويكذّبه في إطلاق تلك الألقاب عليهم، ومن ارتاب في كل ذلك فليراجع مقدّمتنا هنا بالتفصيل، ففيها القول الفصل إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت