فهرس الكتاب
ذكر في هذه المراجعة مائة راوٍ ممن استشهد أو احتج بهم أهل السنة -كما زعم- وقد سماها مائة إسناد، وهذا من جهله، فليس كل واحد منهم إسنادًا، بل الإسناد مجموعة رواة كما هو واضح، ونذكّر هنا بما قلناه سابقًا من نظرة أهل العلم بالحديث لأهل البدع هؤلاء والاحتجاج بهم، وأنه يشمل أصحاب البدعة الصغرى فقط، وهم من عنده تشيع أو تقديم لأهل البيت على غيرهم دون الطعن بالآخرين -كما سنبينه مرة أخرى خلال التعليق على هؤلاء الرواة- وأما أصحاب البدعة الكبرى؛ كالطعن بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وسائر الصحابة، وهم الذين يريدهم هذا الموسوي، فهؤلاء لا يحتج بهم ولا كرامة، كما قال غير واحد من أهل الحديث ممن نقلناه عنهم، وسيأتي لذلك بعض الأمثلة إن شاء الله. لكن ههنا مسألتان لا بد من بيانهما:
الأولى: إن ثبوت ما ادعاه هذا الموسوي في هؤلاء الرواة وغيرهم مما يفيدنا نحن -حتى وإن كان مبالغًا فيه- فهو دليل عليه بإلزامه بما رواه أهل السنة في كتبهم؛ لأنهم يروون عن رجالهم أنفسهم، فما حجته في عدم الأخذ بروايتهم؟ وهو ما نخاطب به كل شيعي في بيان إنصاف أهل السنة لهم، وإنه لم تحملهم مخالفتهم في المذهب على عدم الأخذ برواية الصادقين منهم، في الوقت الذي يخلو المذهب الشّيعي من كل إنصاف لأهل السنة؛ حتى إنهم ليسمّونهم (أبناء العامة) ، وحتى إن مقياس التوثيق والتعديل عند أئمتهم هو القدح في أبي بكر وعمر والتبرّؤ منهما، فقد نقل المامقاني في كتابه (تنقيح المقال) (1/207) جملة من الأحاديث من طريقهم استدلالًا على ضلال غير الشيعة وكفرهم، ومنها الحديث العاشر فقال: (العاشر: مانقله محمّد بن إدريس الحلي في آخر السرائر عن كتاب(مسائل الرجال ومكاتباتهم إلى مولانا أبي الحسن علي بن محمّد بن علي بن موسى) في جملة مسائل محمّد بن علي بن عيسى قال: كتبت إليه أسأله عن الناصب: هل أحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت -قلت: يعنى أبا بكر وعمر كما مرّ بنا في التعليق على الهامش (14) (ص:63) من المراجعات- واعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب) اهـ. فهذا هو مقياس الثقة عندهم، فأين الإنصاف الذي تدّعيه يا هذا؟! وكل ما يصدر عن أحد من علمائهم خلاف ذلك مما فيه رضى أو محبة أو مدح لأئمة أهل السنة، فإنما مصدره التقية التي ينادون بها في مذهبهم لا غيرها.
ومن الأدلة الأخرى على إنصاف أهل السنة لهم، أنك تجد في كتب أهل السنة عمومًا مدحًا لرؤوسهم وأئمتهم من أهل البيت واحتجاجًا بهم، وتجد غير ذلك مما يخصهم بإسناد صحيح أو غير صحيح، لكن لا تجد نظير ذلك إطلاقًا في أي من كتبهم حتى ولا بإسناد موضوع، فأين الإنصاف يا هذا؟! ورحم الله عبد الرحمن بن مهدي حين قال: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم.
المسألة الثانية: معرفة بعض قواعد أهل العلم بالجرح والتعديل مما يهم ويفيد في معرفة مدى قبول التعديل أو الجرح في الرأوي، وممن يقبل هذا؟ وكيف إذا تعارض جرحٌ مع تعديل؟ وذلك لما سيرد من خلال استعراض تراجم الرواة المذكورين من أقوال أهل العلم في ذلك، فنقول وبالله التوفيق:
أجمع جماهير أئمة الحديث على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته شرطان أساسيان وهما:
العدالة: ويعنون بها أن يكون الراوي: مسلمًا بالغًا عاقلًا سليمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
الضبط: ويعنون به أن يكون الراوي: غير سيّء الحفظ، ولا فاحش الغلط، ولا مخالفًا للثقات، ولا كثير الأوهام، ولا مغفّلًا، عالمًا بمعنى ما يرويه وبما يحيل المعنى عن المراد إن روى المعنى.
فمتى ما كان الراوي عدلًا ضابطًا بالمعنى المتقدم سمّي (ثقة) ، لكن ينبغي لنا معرفة كيفية ثبوت العدالة والضبط في الراوي.
أما العدالة: فتثبت إما بالاستفاضة والشهرة بالخير والثناء الجميل عليه، واشتهاره بالصدق واستقامة الأمر مثل مالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والثوري وغيرهم. أو أن ينصّ علماء الجرح والتعديل ولو واحد منهم على عدالته.
وأما الضبط: فيعرف بموافقة الراوي باقي الثقات المتقنين في الرواية، فإن وافقهم في روايتهم فهو ضابط، ولا تضر مخالفته النادرة لهم، فإذا كثرت مخالفته أختل ضبطه ولم يحتج به.
ثم المهم أيضًا معرفة كيفية قبول التعديل والجرح، أما التعديل فيقبل من غير بيان سببه؛ لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها، فيكتفى به دون ذكر السبب، وأما الجرح فلا يقبل إلا مفسّرًا ومبين السبب؛ لاختلاف الناس في أسباب الجرح، فقد يجرح أحدهم بما ليس بجرح، لكن هذا فيمن ذكر فيه جرح وتعديل، أما إذا ذكر الجرح غير المفسر في رجل خلا عن التعديل، فإن الجرح يقبل هنا وإن لم يبين سببه، كما بيّن الحافظ ابن حجر.