فهرس الكتاب
ومن المسائل المهمة التي تفيدنا هنا: كيفية العمل في حالة اجتماع جرح وتعديل في راوٍ واحد، فالمعتمد أنه يقدم الجرح على التعديل إذا كان الجرح مفسرًا، وإن كثر عدد المعدلين؛ لما مع الجرح من زيادة علم بحال الراوي لم يطّلع عليها المعدّل: ولأن المعدّل أخبر عن ظاهر حاله ولم يعلم بباطن خفي عليه بينه الجارح، وقال السيوطي: وقيدّ الفقهاء ذلك بما إذا لم يقل المعدل: عرفت السبب الذي ذكره الجارح، ولكنّه تاب وحسنت حاله، أو إذا ذكر الجارح سببًا معينًا للجرح فنفاه المعدّل بما يدلّ يقينًا على بطلان السبب. اهـ
ومن المسائل التي تفيدنا أيضًا: أن نعرف أن رواية الثقة عن راوٍ لا تكون توثيقًا له، حتى ولو كان ممن ينص على عدالة شيوخه، ومثله لو قال (حدثني الثقة) لا يكون توثيقًا له على الصحيح قصارى ما يقال: إنه ثقة عنده لا عند غيره، ويخصص ذلك برواة البخاري أو مسلم عن راوٍ محتج به -لا في المعلقات والمتابعات-؛ لأن روايته عنه تعد تعديلًا له، كما قاله ابن دقيق العيد وابن حجر، وذلك لإطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين الصحيحين، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما.
هذا ما أردت تقديمه من أقوال أهل العلم بالجرح والتعديل، ممّا يبين منهجهم في ذلك، ويفيدنا في استعراضنا للرواة الذين ذكرهم هذا الموسوي.
وتحقيقًا لما قلناه من تلك القواعد انظر ما قاله الحاكم في (معرفة علوم الحديث) (ص:52-53) ، والخطيب البغدادي في (الكفاية) (ص:86-87، ص105-108) ، وابن الصلاح في (علوم الحديث) (ص:94-99) ، وابن دقيق العيد في (الاقتراح) (الباب السابع والباب الثامن ص323، 330) ، وابن كثير في (اختصار علوم الحديث) (ص:92-96) ، وابن حجر في (نزهة النظر) (ص:112-114) ، وكذا ما قاله في مقدمة فتح الباري (هدي الساري) (ص:543-544) ، وابن رجب في (شرح علل الترمذي) (ص:79-82) ، والسيوطي في (تدريب الراوي) (1/253-256) ، وقبله قول النووي في متنه التقريب في تلك المواضع أيضًا. وفي ذلك تجد ما نقلناه أوبعضًا منه مما يبين مذهبهم في ذلك، إضافة إلى قواعد أخرى في هذا العلم الشريف لا حاجة بنا إلى ذكرها هنا.
وهذا أوان الشروع في استعراض أولئك الرواة، فنقول وبالله التوفيق:
(1) أبان بن تغلب: لم ينقل هذا الموسوي بيان الذهبي -الذي نقلناه سابقًا عند الكلام على رواية أهل البدع- في كيفية الاحتجاج بمثل أبان هذا، ومن من هؤلاء يقبل حديثه، إذ جعل الذهبي أبان هذا مثالًا لذلك، وقال: (ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلًا، بل قد يعتقد عليًّا أفضل منهما) اهـ. ومثل كلام الذهبي قاله الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) (1/94) فراجع التفصيل في ذلك فيما سلف.
(2) إبراهيم بن يزيد النخعي: ترجم له كثير من أهل العلم بالجرح والتعديل، لكن أحدًا منهم لم يعده من رجال الشيعة سوى ابن قتيبة الدينوري، وعليه اعتمد هذا الموسوي، وهو لا يثبت؛ وذلك أن ابن قتيبة ليس من أهل الجرح والتعديل الذين يُقبل تفردهم ويعتمد عليه، وهو مؤرخ نعم، ونحوي وأديب فاضل، لكنّه ليس من فرسان الجرح والتعديل، خصوصًا في ذكر الملل والنحل، ودليله أنه عدّ ضمن رجال الشيعة في كتابه (المعارف) (ص:206) سفيان الثوري، وهو باطل قطعًا عند كل من عرف الثوري وبغضه الشديد للرافضة، وهو أمر لم يدّعه أحد، حتى ولا من الشيعة، ولا هذا الموسوي نفسه، مما يبين عدم صحة الاعتماد على قول ابن قتيبة لوحده في ذلك.
الأمر الثاني: إنه على فرض صحة ما قاله ابن قتيبة من تشيّع إبراهيم هذا، فهو لا يخرج عما بيناه سابقًا من عدم غلوّه في ذلك الذي يوصله إلى الرفض المردود، وهو أيضًا دليل آخر على إنصاف أهل السنة.
وحال ابن قتيبة الذي بيناه هنا في وصفه لبعض الرواة بالتشيّع يشبهه حال أبي الفتح الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) ، الذي اعتمد عليه أيضًا هذا الموسوي في عدد من الرواة، ونحن نقول: إنه لا يمكن الاعتماد على قول ابن قتيبة لوحده، في ذلك وكذا قول الشهرستاني لوحده، ما لم يوافقهما أحد من أهل العلم بالجرح والتعديل، الذين إليهم المنتهى في هذا العلم الشريف، وكما ذكرنا عن ابن قتيبة أنه عد ضمن الشيعة سفيان الثوري، فمثله، بل أبطل منه ما فعله أبو الفتح الشهرستاني في (الملل والنحل) (2/27) إذ عد هناك ضمن رجال الشيعة الشعبي، وهو باطل كما قلنا لا يرتاب في ذلك أحد من السنة أو الشيعة على السواء، بل الشعبي هذا من خصوم الرافضة المعروفين، ويدلّ على ذلك غمز هذا الموسوي له في ترجمة الحارث بن عبد الله الأعور، وإنما نقلنا ذلك عن ابن قتيبة والشهرستاني لنبين أنه لا يمكن الاعتماد عليهما فقط في ذلك، فكما أن الشيعة لا تعترف بالثوري والشعبي من رجالها مع إقرار ابن قتيبة والشهرستاني بذلك، فكذلك نحن لا نطمئن لحكم ابن قتيبة والشهرستاني بمفردهما في ذلك على أي من الرواة، والحمد لله.