الصفحة 137 من 849

وينظر المسلم إليه تعالى وقد قَدَرَ عليه، وأخذ بناصيته، وأنه لا مفر له ولا مهرب، ولا منجا، ولا ملجأ منه إلا إليه، فيفر إليه تعالى وينطرح بين يديه، ويفوض أمره إليه، ويتوكل عليه، فيكون هذا أدبًا منه مع ربه وخالقه.

إذ ليس من الأدب في شيء الفرار ممن لا مفر منه، ولا الاعتماد على من لا قدرة له، ولا الاتكال على من لا حول ولا قوة له. قال تعالى {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [1] . وقال عز وجل {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [2] . وقال {وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [3] .

وينظر المسلم إلى ألطاف الله تعالى به في جميع أموره، وإلى رحمته له ولسائر خلقه فيطمع في المزيد من ذلك، فيتضرع له بخالص الضراعة والدعاء، ويتوسل إليه بطيِّب القول، وصالح العمل فيكون هذا أدبًا منه مع الله مولاه إذ ليس من الأدب في شيء اليأس من المزيد من رحمة وسعت كل شيء، ولا القنوط من إحسان قد عمَّ البرايا، وألطاف قد انتظمت الوجود. قال تعالى {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [4] . وقال {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} [5] . وقال {وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللّهِ} [6] . وقال {لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} [7] .

وينظر المسلم إلى شدة بطش ربه، وإلى قوة انتقامه، وإلى سرعة حسابه فيتقيه بطاعته، ويتوقاه بعدم معصيته فيكون هذا أدبًا منه مع الله؛ إذ ليس من الأدب عند ذوي الألباب أن يتعرض بالمعصية والظلم العبدُ الضعيف العاجز للرب العزيز القادر، والقوي القاهر وهو يقول وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ#

(1) سورة هود آية 56.

(2) سورة الذاريات آية 50.

(3) سورة المائدة آية 23.

(4) سورة الأعراف آية 156.

(5) سورة الشورى آية 19.

(6) سورة يوسف آية 87.

(7) سورة الزمر آية 53.#

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت