فهرس الكتاب
جميع ما شرعه لعباده من الفرائض والأحكام والأقوال والأعمال وما نهاهم عنه سبحانه كما نص على ذلك أئمة التفسير ثم قال عز وجل بعد ذلك {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} فعلم بهذا أن صراطه سبحانه هو العمل بأوامره والانتهاء عن نواهيه والإيمان بكل ما جاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من العلوم النافعة والأخبار الصادقة والشرائع والأحكام ظاهرا وباطنا خلافا لأهل النفاق، وقد أرشد سبحانه عباده في سورة الفاتحة إلى أن يسألوه الهداية إلى هذا الصراط لشدة ضرورتهم إلى ذلك وبين سبحانه أنه هو طريق المنعم عليهم المذكورين في قوله تعالى {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [1] . وقد دلت الأحاديث المرفوعة والآثار عن الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين لهم بإحسان على أن السبل التي نهى الله عن إتباعها هي البدع والشبهات والشهوات المحرمة والمذاهب والنحل المنحرفة عن الحق وسائر الأديان الباطلة، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد والنسائي بإسناد صحيح عن عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: خط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطا بيده ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيما» وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: «هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو غليه» ثم قرأ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} .
ومما يحسن التنبيه عليه أنه عز وجل ذكر في ختام الآية الأولى من الآيات الثلاث المذكورة آنفا {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ، وفي ختام الآية الثانية {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ، وفي ختام الآية الثالثة {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .
قال بعض علماء التفسير: الحكمة في ذلك والله أعلم أن من تدبر كتاب الله عز وجل وأكثر من تلاوته حصل له التعقل للأوامر والنواهي والتذكر لما تشتمل عليه من المصالح العظيمة والعواقب الحميدة في الدنيا والآخرة، وبذلك ينتقل إلى التقوى وهي: فعل الأوامر، وترك النواهي اتقاء لغضب الله وعقابه ورغبة في#
(1) سورة النساء آية 69.#