الصفحة 185 من 849

في مسائل الحلال والحرام والمعاملات المالية، والسياسية، والاجتماعية، والحدود والعقوبات.

ولا شك أن أهم هذه المخالفات هو أن هذه الأحكام الوضعية والشرائع البشرية لم توضع ليكون هدف الناس وغايتهم هو عبادة ربهم والخضوع لمشيئته سبحانه واستسلام لأمره ونهيه، وذلك أنها انبثقت ابتداء في عقيدة باطلة لا تؤمن بخالق للكون ومبدئ له ومدبر له، بل خرجت من كفار بالبعث والنشور وجاحدين لخالق السموات والأرض، ممن يعيشون لدنياهم فقط، ولا يؤمنون بحياة بعد الموت، وأما شريعة الله فإنها جاءت من عنده، وغايتها في النهاية إقامة عبادته سبحانه وتعالى في الأرض والخضوع لمشيئته والاستسلام لأمره.

وهذا هو الفارق الأساسي بين شريعة الله وشرائع البشر؛ فشريعة الله من عنده، ولا يرضى سبحانه وتعالى لأحد أن يتقول عليه، أو يشرع لنفسه دون الرجوع إليه، وما الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلا ناطق بأمره، صادر عن حكمه، منفذ لمشيئته، مطيع لشريعته، وما المجتهدون والخلفاء بعده إلا موقعون عنه يجتهدون في سبيل الوصول على حكمه، راجعون في كل اجتهاد ورأى إلى كلامه سبحانه، وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وأما شرائع البشر الوضعية فهم يأخذونها من أغلبيتهم التي قد تتظاهر على الهوى والعصبية، وتصدر عن جهل، وتحكم عن تحكُّم، أو من ملوكهم والمتسلطين عليهم الذين جعلوا من أنفسهم آلهة وأربابا يشرعون للعباد ويعتدون على حق رب العباد سبحانه وتعالى كما قال فرعون {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29] . علما بأن حكم فرعون لم يكن إلا استبدادًا وتسخيرًا للشعب في عبادته وصرف الناس عن عبادة ربهم وخالقهم سبحانه وتعالى، قال تعالى {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4] .

وهكذا كان منطق الطغاة دائمًا يفسدون في الأرض، ويزعمون الصلاح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت