الصفحة 194 من 849

الأشياء بأضدادها، بخلاف البلدان التي تحكم بالقوانين الوضيعة التي هي شريعة الكافرين، نرى أهلها من أسوأ الناس حالا وأشدهم اضطرابًا وزلزالا، لقد ابتلوا بفنون من الفتن والاضطراب وعدم أمن الجناب إلى حالة كثرة القتل والنهب وحرق الحوانيت المملوءة بالأموال واختطاف النساء والغلمان، وهذه الأعمال تزداد عامًا بعد عام، كلها نتيجة أو عقوبة عزل شريعة الدين والرضا بحكم القوانين الوضعية، ولا ننكر بأنه يوجد في القوانين الوضيعة المتداولة بأيدي الناس أشياء من الحقائق المقتبسة من الشريعة الإسلامية فلا ننكر صحتها وصلاحيتها لكنها قد اختلطت بكثير من الباطل المقتبس من آراءٍ شرعها قوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق وقد عملوها على حسب عوائدهم وعقائدهم وأذواقهم، فالزنا محرم في شريعة اليهود والنصارى، لكنها عند وقوعه لا يحركون معه ساكنًا، لاعتقادهم أنه من مكملات حرية الشخص، فكانوا يجيزون للخاطب أن يخلو بمخطوبته، وأن يعمل معها التجربة في كل شيء بحجة عمل خاطب مع مخطوبته، كعمل الزوج مع زوجته، وقد أباحوا اللواط بين الرجال وهو محرم في شريعة المسيح وفي كل شريعة، لكونهم يجيزون لعلمائهم القسيسين بأن يغيروا من شريعة الرب ما يشاؤون ويشتهون فيجعلون الحرام حلالا، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فهي مبنية على عزل الدين عن الدولة، وعلى كون الرضى شريعة المتعاقدين مهما كان بطلانه، تبيح للناس ما حرم الله عليهم من الربا والزنا وشرب الخمر، أي أنها لا تعاقب على هذه الأعمال وتحكم بصحة ما يترتب عليها من المال الربوي والمكتسب من القمار، لكون الرضا بهذه الأعمال المحرمة هي شريعة المتعاقدين حتى ولو خالفت شرع الله ورسوله. يقول الله تعال {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} [1] ، ثم إن هذه القاعدة ترفع سلطان الولي عن موليته وتبيح لها أن تتصرف بنفسها كيف شاءت غير محجور عليها في نفسها. تبيح لكل ملحد كافر أن يجهر بعقيدته وكفره غير محجور عليه في أمره ولا رأيه.#

(1) سورة الشوري آية 21.#

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت