فهرس الكتاب
أما الشريعة الإِسلامية فإنها مبنية على حماية الدين والأنفس والأموال والعقول والأعراض، فهي تهذب الأخلاق وتطهر الأعراق وتزيل الكفر والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق.
وقد قال رجل من النصارى اسمه «هربرت سبنسر» قال: إن آداب الأمم وفضائلها التي هي قوام مدنيتها مستمدة كلها من الدين وقائمة على أساسه وإن بعض العلماء يحاولون تحويلها عن أساس الدين وجعلها على أساس العلم والعقل، وإن الأمة التي يجري فيها هذا التحويل لا بد أن تقع في فوضى أدبية لا يعرف عاقبتها ولا يحد ضررها. انتهى.
وليعتبر المعتبر بالبلدان التي أغلقت فيها محاكم شريعة الدين وفتحت فيها محاكم القوانين المدنية، كيف حال أهلها وما دخل عليهم من النقص والجهل والكفر وفساد الأخلاق والعقائد والأعمال، حتى صاروا بمثابة البهائم يتهارجون في الطرقات لا يعرفون صيامًا ولا صلاة ولا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا ولا يمتنعون من قبيح ولا يهتدون إلى حق، لهذا صار المحبون لها هم أشد الناس سخطًا عليها وبغضًا لها، لأنهم ذاقوا مرارتها وعرفوا مضرتها، ولن تجد شخصًا مسلمًا يحبها أو يرضى بها إلا أن يكون مجبورًا عليها أو أن له غرضًا بإضرار خصمه.
لقد مكث المسلمون ثلاثة عشر قرنا يتحاكمون إلى الشريعة الإسلامية ويعتزون بها وحكام المسلمين وسلاطينهم يسمون أنفسهم عبيد الشرع، كما قال صلاح الدين الأيوبي لرجل شكى إليه: لقد نصبت قضاة الشرع ليحكموا لك أو عليك وما أنا إلا عبد للشريعة أنفذ حكمها. فكان حكام المسلمين يحكمون بالقصاص وقطع يد السارق وجلد الزاني وشارب الخمر ولا تأخذهم في الله لومة لائم، فكانت لهم العزة والقوة والتمكين في الأرض. يقول الله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ا لنَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [1] .
(1) سورة المائدة آية 49.