الصفحة 196 من 849

وإنما فتحت محاكم القوانين المدنية في البلدان الإِسلامية والعربية رغمًا على أهلها وذلك أن النصارى لما كانت لهم السلطة والسيطرة على بلدان المسلمين العربية وكانوا يحبون كون الناس على دينهم ففتحوا محاكم القوانين الوضعية بالرغم من المسلمين {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [1] .

وعلى إثر فتح محاكم القوانين المدنية في بلدان المسلمين واستمرار التحاكم إليها قد وقع بالناس ما حذرهم منه نبيهم - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: «وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم شديدًا» [2] وصدق الله رسوله.

وهذا الحديث بمثابة الصبح الساطع والبرهان القاطع، وخير الناس من وعظ بغيره، فقد رأينا الذين استبدلوا القوانين الوضعية بدلا عن المحاكم الشرعية رأيناهم من أسوإ الناس حالا وأبينهم ضلالا وأشدهم اضطرابًا وزلزالا، وصاروا جديرين بزوال النعم، والإِلزام بالنقم، لأن دين الإسلام منجاة من الغرق في الفوضى والشقاق وبمثابة سفينة نوح من لجأ إليه نجا ومن تخلف عنه غرق، وقد عرف بالتجربة أن القوانين الوضعية منصوبة لسلب أموال الناس وإماتة حقوقهم وحدودهم، فهم معها دائمًا بين إبرام ونقض وحكم واستئناف.

إن أعداء الإسلام قد شوهوا سمعة الإسلام وألبسوه أثوابًا من الزور والبهتان والتدليس والكتمان، فوصفوه بالقدم وكونه لا يتلاءم الحكم به مع القرن العشرين، وأن شرائعه تكاليف شاقة، وأنه ينبغي عزل الدين عن الدولة ونحو ذلك مما يقولون ويأفكون، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [3] .#

(1) سورة المائدة آية 50.

(2) رواه ابن ماجة والبزار والبيهقي.

(3) سورة الكهف آية 5.#

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت