فهرس الكتاب
الدعاء يمنع البلاء بعد انعقاد أسبابه. وفي الحديث لا يرد القضاء إلا الدعاء [1] وقال ابن عباس: الدعاء يدفع القدر وهو إذا دفع القدر فهو من القدر.
وبالجملة فليس فيما بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - ما يسكون سببًا للشر أصلا بل كل شر أصاب العبد أو يصيبه في دنياه وآخرته فسببه الذنوب والمعاصي. وأما الفوائد سواء كانت دينية أو دنيوية قد استفيدت بطريق مباح فلا ضرر فيها ولا شؤم فيحرم التشاؤم بها ولهذا شرع سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم دينية كانت أو دنيوية عامة أو خاصة. وهكذا في الحكم كل ما يتشاءم به في دخول بيت أو لبس ثوب أو غير ذلك.
إذا تبين هذا فلا يجوز إضافة الشؤم إلى عدد أو سنة أو شهر أو يوم أو وقت أو قراءة سورة أو آية أو ورد أو فائدة أو دخول بيت أو لبس ثوب أو غير ذلك، ولا اعتقاد وقوع ضرر منه أو كونه سببًا في حصوله إلا بقضاء الله وقدره. فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو سبحانه خالق الأسباب ومسبباتها. لا خالق غيره ولا مقدر سواه، والعبد مأمور بتوقي أسباب الشر الظاهرة واجتنابها بقدر ما وردت به الشريعة مثل اتقاء المجذوم والمريض والقدوم على مكان الطاعون، وأما ما خفي منها فلا يشرع اتقاؤه واجتنابه بل ذلك من الطيرة المحرمة فإنها سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق فلا تجوز.
وأما ما ورد من إثبات الشؤم في المرأة والدار والدابة فقد اختلف أهل اعلم في معناه. وحاصل ما ذكروه من التحقيق في ذلك هو أن إثبات الشؤم في هذه الثلاثة بمعنى أنها أسباب قدر الله بها الشؤم واليُمن ويقرنه، ولهذا شرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابة أن يسأل الله من خيرها وخير ما جبلت عليه، ويستعيذ به من شرها وشر ما جبلت عليه. وكذا ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل ذلك وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - قوما سكنوا دارًا فقل عددهم وقل مالهم أن يتركوها#
(1) رواه الترمذي والحاكم عن سلمان وحسنه الألباني. وفيه زيادة (ولا يزيد في العمر إلا البر) .#