الصفحة 68 من 849

المغفرة فهو غير آثم لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وكل من كان غير آثم فهو غير معاقب لا في القبر ولا في الآخرة. وأما في الدنيا فالتوبة لا تكون مسقطة للعقوبات الواجبة لحق الله تعالى من حد سرقة أو زنا أو شرب أو تعزير بعد ثبوتها، وما وجب لحق آدمي من قصاص أو مال أو حد قذف أو تعزير، كما لا تسقط بها الكفارات وسائر الواجبات التي أثم بسببها من صلاة أو صيام أو زكاة أو غيرها بل لا بد من الإِتيان بها لأنها حقوق لا ذنوب، وإنما الذنب تأخيرها فيسقط بالتوبة إثم المخالفة بالتأخير لا نفس الحق المؤخر. وإذا عوقب العبد على الذنب في الدنيا لم يعاقب عليه في الآخرة لما روى الإِمام أحمد وغيره واللفظ له عن علي - رضي الله عنه - مرفوعًا: «من أذنب ذنبا فعوقب به فإن الله تعالى أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبا فستره الله عليه وعفى عنه فإن الله تعالى أكرم أن يعود في شيء عفى عنه» ، وأما إذا لم يعاقب عليه في الدنيا ولم يتب منه ولم يكفر بشيء من المكفرات للذنوب بل مات مصرًا عليه، ولقي الله بالذنب الذي استوجب به العقوبة، ولم يكن شركا فأمره إلى الله تعالى إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار بل يخرج منها ثم يدخل الجنة.

ولما كان العبد لا بد أن يفعل ما قدر عليه من الذنوب كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة» ، جعل الله له مخرجا مما وقع فيه يرفع أثر الذنب ويزيل موجبه، وهذا من أعظم فوائد الشريعة ومقاصدها. فعقوبات الذنوب تزول بالتوبة النصوح فهي أقوى الأسباب في إزالتها وبالحسنات الماحية كالكفارات والعقوبات وبالمصائب المكفرة، وهي كل ما يؤلم من هم أو حزن أو أذى في مال أو عرض أو جسد أو غير ذلك، وصرح العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- بأن المصائب لا تستقل بمغفرة الذنوب جميعها وقال: لا تغفر الذنوب إلا بالتوبة أو بحسنات تتضاءل وتتلاشى فيها الذنوب. انتهى.#

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت