فهرس الكتاب
ومما يزيل عقوبات الذنوب أيضا ما يحصل للعبد في البرزخ من الشدة ويحصل له في عرصات القيامة ودعاء المؤمنين له كالصلاة عليه وشفاعة الشفيع المطاع لمن شفع فيه وغير ذلك، وقد حصر بعض العلماء ما يسقط العقوبة على الذنب بنار جهنم في نحو عشرة أسباب ذكر أنها عرفت باستقراء من الكتاب السنة، فالذنوب أسباب مقتضية للعقوبة؛ والأمور المكفرة لها موانع، ولهذا تقع الموازنة، بين الحسنات والسيئات في الآخرة إعمالا لمقتضى العقاب ومانعه، ويكون الحكم للغالب فمن كفرت سيئاته بنفس العمل كان ذلك من باب الموازنة وهذا تنقص درجته عمن سلم من تلك الذنوب، ومن كفرت سيئاته بالمصائب والحدود وعقوبات الدنيا سلمت له حسناته فلا تنقص درجته بل ترتفع درجاتهم بالصبر على المصائب فيكونون أرفع، وأصحاب العافية يكونون أدنى.
وبهذا يتضح أن التائب لا تقع في حقه موازنة ولا مقاصة لأن توبته النصوح تمحو سيئاته حتى كأنها لم تكن وتبقى له حسناته موفرة، وإنما تقع الموازنة والمقاصة في حق من له حسنات وسيئات فيوازن بين حسناته وسيئاته كبائرها وصغائرها وتنقص بعضها من بعض، فمن رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة فقد نجا ودخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته ولو بواحدة دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف.
وذكر الإِمام أبو العباس أحمد ابن تيمية -قدس الله روحه: أن الحسنة تعظم ويكثر ثوابها بزيادة الإِيمان والإِخلاص حتى تقابل جميع الذنوب، واستدل لذلك بحديث البطاقة وغيره، وهكذا أيضا تقع الموازنة والمقاصة بين حسنات العبد ومظالم العباد عنده فمن كانت له حسنات وعليه مظالم فاستوفى المظلومون حقوقهم من حسناته وبقي له حسنة دخل بها الجنة قال ابن مسعود - رضي الله عنه: إن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة ضاعفها الله حتى يدخل الجنة، وإن كان شقيا قال الملك: رب فنيت حسناته وبقي له طالبون كثير، قال: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكا إلى النار؟ خرجه ابن أبي حاتم وغيره.#