الصفحة 84 من 849

والصياح عليه: أنت لا تخف الله ولا تتقي الله. لو فعلنا هذا فسنجد من هذا الرجل نفورا وكراهة للحق لكن إذا عاملناه بمثل هذه المعاملة سهل عليه قول الحق.

* المثال الثالث:

رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا قد لبس خاتما من ذهب فنزعه وطرحه وقال: «يعمد أحدكم على جمرة من نار فيضعها في يده» [1] ولما انصرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - قيل للرجل: ألا تأخذ خاتمك تنتفع به؟ قال والله لا آخذ خاتمًا طرحه النبي - صلى الله عليه وسلم -. هل هذا المثال دال كالأمثلة السابقة؟ لا. لأن فيه شيئًا من الشدة وكان هذا الرجل - والله أعلم قد علم بالحكم فعامله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاملة تليق بحاله.

الداعية وطول النَّفَس

وهكذا ينبغي إذا أردنا أن ندخل الناس في دين الله على وجه تنشرح فيه الصدور وتطمئن له القلوب أن نعاملهم كما يعامل الطبيب الرفيق المريض. وهنا نقطة وهي: أن بعض الناس يريدون أن يغيروا الناس من السيء إلى الحسن بين عشية وضحاها وإذا لم يكن يئسوا وتركوا الدعوة فهل هذا من الحكمة؟ الجواب لا، ليس من الحكمة بل إن الإنسان الذي يريد أن يصلح ما فسد من الناس بمثل هذه السرعة فإنه يخالف سنن الله عز وجل فالنبي - صلى الله عليه وسلم - هُدد بالقتل {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [2] حتى خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة خائفا على نفسه مختفيا بغار ثور.

إن الحكمة أن نطول النَّفَس أمام الناس ولكن لا نمل من دعوتهم وأن نؤمل ونحن نشاهد ولله الحمد هذا التقدم وهذه الصحوة وكل يوم وأحد يسألنا يقول: أنا والحمد لله عزمت على الالتزام فما بال ذنبي السابق وما شأنه؟ فنحن نقول لمثل هذا الرجل: أبشر بالخير، والتوبة تجب ما قبلها من الذنوب يقول الله تعالى:

(1) رواه مسلم.

(2) سورة الأنفال آية 30.#

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت