فهرس الكتاب
وكان بعد ذلك إرسال سرايا عاجلة بقيادة خالد بن الوليد، وغيره لتطهير مخابىء الشرك حول مكة، ووصلت هذه السرايا إلى منطقة (الليث) وما حولها؛ وكان أمامه صلى الله عليه وسلم أمور اجتماعية كثيرة، تتطلب منه صلة رحم هذا، والسلام على ذاك، وإعطاء هذا، وزيارة هذا وذاك مما يعمله المفارق العزيز الذي عاد إلى أرض الوطن.
وفي غمرة هذه الانشغالات الواسعة، توارد إلى سمعه صلى الله عليه وسلم أنّ هوازن تعِدّ العدّة لغزوه؛ فقام لتوّه ينظم جيشه، ويستعير الدروع من صفوان بن أمية، ليستعد من جديد لنزال رهيب لا يعلم إلا الله ما هى نتيجته.
والسؤال هنا: كم بقي النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بعد الفتح ليقوم بكل هذه الأمور العظام؟ كم يتوقع القارىء يكفي مق الوقت لتعليم أهل مكة مبادىء الدين الجديد، وتعليمهم الوضوء والصلاة فقط؟.
إنّ أصح الروايات تقول: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما مكث في مكة بعد الفتح عشرة أيام فقط.
نعم: عشرة أيام، كانت كافية لإزالة دين متوارث منذ أجيال بكل عقائده، وتقاليده وشعائره التعبدية، ثم إقامة دين آخر جديد محله، يدخل حشايا القلوب، ويتأصل في عروق النفوس؛ عشرة أيام كانت كافية: لإرساء قواعد النظام الإداري والقضائي وغير ذلك في مدينة ليست صغيرة هى (أم القرى) ؛ عشرة أيام كانت كافية لإرسال سرايا حول مكة للقضاء عبى بقايا سلطة المشركين وإخضاعهم لدين الله؛ عشرة أيام كانت كافية لإعادة تنطيم وتسليح جيش ينازل أكبر قبائل العرب في تلك المنطقة، ينازلها ويقاتلها هي وحلفاءها في أرضها لا في أرض المسلمين.