أما تصرفه بالنسبة لغيره من الفرد أو الجماعة فحريته في هذاا التصرف مقيدة أيضًا بما يمنع الضرر عنهما، ولا نعني بالضرر هنا ذلك الذي ينشأ عن فعل يشكل اعتداء على حق الغير، لأن هذا محرم في جميع الشرائع، وإنما نعني - بالإضافة إلى ذلك - تلك الوجوه من الأضرار التي تنشأ من تصرف الإنسان حتى في خالص حقه، دون اعتداء ومجاوزة إلى حق الغير وهو ما تفردت به الشريعة الإسلامية دون سائر التشريعات قديمها وحديثها حتى في أرقى دول العالم وأعلاها كعبًا في الحضارة.
ولو رحنا نستقصي الفروع الفقهية لتقرير هذا الأصل لأعيانا الحصر، فمن ذلك مثلًا (( حق الطلاق ) )فالشريعة لم تعتبره حقًا تقديريًا مطلقًا كما ذهب إلى ذلك الفقيه الفرنسي المعاصر (( جوسران ) )ونعني بذلك أن استعمال الزوج لحق الطلاق ليس خاضعًا لتقديره الشخصي حتى يكون حقًا مطلقًا من جميع الوجوه، فالطلاق السني، وإن كان من الاسقاطات أو الأوضاع الشرعية التي لا يمكن القول بعدم وقوعه ولو كان صادرًا عن نية الإضرار بالزوجة، قد قيده الشارع من حيث الآثار بحيث ينفي عنه صفة (( التقديرية ) )أو (( الإطلاق ) )لاسيما إذا كان في استعمال هذا الحق افتئات على حق الزوجية في الإرث، فلا تقر الشريعة استعمال حق مشروع في الأصل يفضي إلى هضم حق الغير قصدًا، ومن هنا أجمع الصحابة على توريث المبتوتة في مرض الموت، معاملة للزوج الفار من توريثها بنقيض قصده وبذلك أخذ جمهور الفقهاء.
هذا مثل لتقييد (( حقوق الشخصية ) ) [5] كما يسميه رجال القانون، والتي لا يقر كثير منهم تقييد هذه الحقوق حتى اليوم.
ثمرة المسئولية من الناحية النظرية والعملية:
قلنا أن المسئولية الفردية تبرر الحرية وبذلك يكون الفرد حرًا ذا إرادة واعية وكيان شخصي مستقل، وهذه هي ثمرة المسئولية من الناحية النظرية.