رأينا أن أبا حنيفة - رحمه الله - يطلق حرية التصرف في المالك إطلاقًا تامًا، ولا يجعل للقضاء حقًا في التدخل لتقييده لدفع الضرر عن غير المالك شريطة أن يكون هذا التصرف في حدود الملكية، ودون أن يكون للغير حق عيني متعلق بها.
غير أن الإمام يترك التقييد للوازع الديني، فالديانة توجب على المالك ألا يتخذ من حق الملكية ذريعة إلى الإضرار بغيره، بقصد أو دون قصد، إذ ليس وقوع الضرر أو إيقاعه من التعاون على البر المأمور به شرعًا، ولا هو عمل بمقتضى الانتهاء عن الضرر والضرار الوارد كقاعدة من قواعد الدين.
وعلى هذا يمكن القول بأن أبا حنيفة - رحمه الله - إذا أطلق من حرية التصرف في الملك عملًا بموجب القياس، لأن الأصل أن الناس مسلطون على أموالهم، وأن حق الملكية يخول صاحبه شرعًا سلطة التصرف كما يشاء دون اعتداء ومجاوزة لحدود ملكه الموضوعية أو المادية، فإنه ترك تقييد هذا الحق لحكم الديانة، وذلك اعتمادًا منه على قوة الوازع الديني، وهيمنة سلطان العقيدة، ولا نرى مما يخالف أصل هذا النظر تقييد الحق قضاءً إذا ضعف هذا الوازع بتغير الزمن، يرشدك إلى هذا أن الإمام كان يكتفي بظاهر العدالة في رواية الحديث في القرن الثالث بينما امتنع صاحباه عن الأخذ بذلك لتغير الزمن وغير ذلك من الأمثلة كثيرة، أقول ليس مما يخالف أصل ذلك النظر عند الإمام أن يقيد حق الملكية قضاءً أيضًا بتغير الزمن بعد أن كان مقيدًا ديانة إذا اقتضت المصلحة ذلك، والمصلحة - كما يقول الإمام الغزالي - مقصود الشرع، ولذا رأينا الإمام أبا يوسف - رحمه الله - والمتأخرين من فقهاء الحنفية وأصحاب الفتاوى منهم، يرجحون القول بمنع المالك من التصرف بملكه على وجه يضر بالملكية المجاورة ضررًا فاحشًا، لحديث (( لا ضرر ولا ضرار ) )ولضعف سيطرة الدين على النفوس، فحقت عليهم كلمة (( القضاء ) )لحملهم على الامتناع عن الاضرار.
ويعبِّر صاحب تبيين الحقائق عن وجهة النظر هذه بقوله: