على أن هذه القيم الخلقية والمثل العليا التي أمتزجت في الفقه الإسلامي بقواعد التشريع، من البر والإحسان والرحمة والأخوة والاتيار تستمد معاييرها وتدعيمها من ينبوع واحد هو مبدأ الخير الأسمى وهو (( الإيمان ) )بالله تبارك وتعالى، كما تهدف إلى غاية مشتركة هي إقامة الدنيا بحيث تكون سبيلًا إلى الآخرة أي أن تحكم بحكم الدين المسيطر على الضمير والوجدان، تحقيقًا لصالح الفرد والجماعة، بل والإنسانية بعامة، أو بعبارة أخرى لبناء مجتمع إنساني فاضل على أساس من التعاون على البر، والتسابق في الخير، والتواصي بالرحمة، والتفاضل بالتقوى، والسعي - أفرادًا وجماعات - لابتغاء مرضاة الله، وهو الهدف المشترك للفرد والجماعة في الشريعة.
ولا يتبادرون إلى الذهن أن هذه أمور خلقية مثالية لا علاقة لها بالتشريع، بل هي لباب الحكمة التي تدور أحكام الشريعة عليها، وهذا ما دعاه بها علماء أصول الشريعة.
فالشاطبي يقول في هذا المعنى:
"إنها الغاية من إنزال الشريعة، لأنها ما أنزلت إلا لبيان وجه شكر المنعم، وبيان وجه الاستمتاع بها" [8] .
ثم يبين معنى الشكر فيقول:
"والشكر هو صرف ما أنعم علي في مرضاة المنعم، وهو راجع إلى الإنصراف إليه بالكلية، ومعنى بالكلية أن يكون جاريًا على مقتضى مرضاته بحسب الاستطاعة في كل حال" [9] .
وغني عن البيان أن الأوامر والنواهي - وهي مناشيء الحقوق والواجبات - شاملة القواعد الخلقية المبثوثة في الشريعة وإذا كانت الشريعة إنما أنزلت للامتثال ابتغاء مرضاة الله، فالقواعد الخلقية والفقهية في نظر الشرع بمرتبة سواء من حيث الامتثال، ومن هنا تقيد الحق بكليهما في الشريعة ولهما نفس الأثر.